الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا 

 

أبواب المجلة

المكتبة الإلكترونية

حول مجلة أفق

اختيارات عشوائية

المتواجدون الآن

يتصفح أفق حاليا:
28 ضيف/ ضيوف
0 عضو/ أعضاء

أكثر تواجد : 617
بتاريخ: 14-07-2007
الساعة: 04:12:59

البحث



إحصائيات

تم استعراض
8663489
صفحة منذ أكتوبر 2004

الإرادة (1) ... كريم الهزاع

إضاءةأفق : السبت 05 مارس 2005


في عام 1980 م وكنت ما أزال على مقاعد الدراسة وكان القلق ينتابني بشدة فيما يخص صنع الهوية والبحث عن الذات أو الكينونة وكنت أتردد على مكتبة وكالة المطبوعات التي كانت تطبع كتب الدكتور الراحل عبد الرحمن بدوي هذا المفكر الذي كان يجالس صاحب المكتبة – الحرمي – بعض الأيام ويتحاور مع رواد المكتبة في كل أنواع المعرفة .
في ذلك العام بالذات كنت في حالة قلق شديد جداً لدرجة أني عرضت نفسي على طبيب نفساني والذي كتب في تقريره الطبي :
" يعاني من حالة قلق تفاعلي قابلة للشفاء "

وكان الدكتور محقاً في تشخيصه إلا أن " قابلة للشفاء " لم تكن في محلها تماماً ، ولم أبحث عن العلاج لحالتي في المستشفيات بل في بطون الكتب وهناك في وكالة المطبوعات صادفت المفكر الدكتور الرائع عبد الرحمن بدوي وشرحت له حالتي وضحك ثم طمأنني بأني أنا المعافى والذين يسيرون في الشوارع دون معاناة هم المرضى وأوصاني بقراءة شوبنهور ونيتشه وهيدجر والوجودية وشرعت في قراءة كتاب بدوي عن شوبنهور وتلقيت أول جرعة من العلاج / عبارة شوبنهور : " حينما لا أجد شيء يقلقني فهذا بحد ذاته يقلقني " .
والتقطت العبارة وترجمتها إلى حالة تفاعلية تصطحبني مدى الحياة ، وتحاورت مع شوبنهور كثيراً إلى أن سلمني بيد " نيتشه " واعتقدت بأني لن أعود إليه ثانية .

في ظل المعطيات الجديدة للعالم وانشطار الذات وتوزيع أشلاء أورفيوس وتفتيت الروح وتوالد الكثرة وغياب الواحد والبحث عن طريق للعودة للواحد وعبور الكثرة أخذت أبحث عن المبتغى أو المنشود وتوصلت إلى ما أبحث عنه أو أحتاجه من جديد .. " الإرادة ".. وكان الصوت :
تستطيع أن تجد بذور المذهب الإرادي أولاُ عند الرواقيين الذين أرجعوا كل شيء إلى الفعل ، ولما كان الفعل لا يتم إلا بالأجسام ، فهي وحدها تؤثر ، فقد قالوا إن كل شيء جسماني وإن كل شيء لا يتم إلاّ بالإرادة . والرواقية تعترف بالحتمية أو بالقدر ، كما أن الإرادة الإنسانية عندهم تخضع لهذه الحتمية . ويقولون بأن جوهر الإنسان هو إرادته ، القول الذي سوف يردده فيما بعد شوبنهور ، بل إن شوبنهور ذهب أبعد من الرواقيين حينما قال إن الكون كله في أساسه إرادة وإن من طبيعة الإرادة ، أي القوة المحركة والمكونة للأنا ، ألا تعمل إلاّ على نحو متتابع ، فهي لا تنجز إلاّ فعلاً واحداً يمكن إدراكه في المرة الواحدة . وذلك بموجب أنها واحدة ومسيطرة، ومن ثم لا يمكن أن تكون في الوقت عينه. فالإرادة تعي هويتها في سلسلة العمليات التي تحققها. فمهما تعددت الانطباعات المختلطة التي تتكون منها الحياة وأثرت آنياً في الكائن الحاس ، لا يكون هناك إلاّ وعي واحد لكل منها ، كما لا توجد إلا إرادة واحدة . فما هو آني ومتكثر في الإحساس يصبح متتالياً في الفكر . فالإرادة إذن هي التي توفر لنا النمط الأولي لكل هوية ولكل وحدة (1) أما ما يقوله " نيتشه " تلميذ شوبنهور عن الإرادة : " حيث توجد حياة ، توجد أيضاً إرادة . إرادة قوة لا إرادة حياة " (2) وحينما نظل نسأل عن ماهية الوجود فنجدها عبارة عن عقل كصيرورة وإرادة كسيرورة وإذا بحثنا عن مفهوم الإرادة نرها عبارة عن تصميم واع على أداء فعل معيّن ويستلزم هدفاً ووسائل لتحقيق هذا الهدف ، والعمل الإرادي وليد قرار ذهني سابق ويرى الماركسيون أنها ثمرة المعرفة والتجربة (3) وفكرة الإرادة تحتل مكانة عظمى في فلسفة شوبنهور ومذهبه ، فانطلاقاً منها يفسر شوبنهور الوجود والعالم والإنسان على أساسها . فالإرادة من – ناحية – هي سر الوجود، باعتبارها حقيقته وجوهره المعبّر عن ذاتيته وآنيته في آن واحد. وهي من ناحية أخرى مصدر التطور المشاهد في كل مظاهر الطبيعة ، ويتضح من ذلك أن الإرادة هي مبدأ الوجود عند شوبنهور ، إذ أنها تتغلغل في جميع الموجودات ، ومن ثم نستطيع أن نقول أن مذهب شوبنهور في وحدة الإرادة و أوليتها يؤول إلى مذهب وحدة الوجود – مذهب وحدة الوجود الديني والذي يعني أن العالم والله – جوهرياً – شيء واحد ، أمّا الظواهر المشاهدة في العالم فهي لا تعدو أن تكون مظاهر متنوعة – الكثرة – لوحدته المطلقة . ولكن وحدة الوجود عند شوبنهور تختلف عن مثيلاتها عند اسبينوزا وعند المتصوفين ، إذ أن شوبنهور ينكر وحدة الوجود الدينية ، ويأخذ بالمعنى الفلسفي لهذا المفهوم ، أعني بمعنى أن هذا الوجود يسيطر عليه مبدأ واحد هو الإرادة .
وهنا ، تنشأ مشكلة – وهي المشكلة الخالدة في الميتافيزيقا التقليدية – أعني بها مشكلة الوحدة والكثرة . فإذا كانت الإرادة وحدة ، فكيف تصير كثرة ، في الظواهر التي نتمثلها ؟ وكيف نفسر هذا الانتقال من الوحدة إلى الكثرة ، ومن الواحد إلى التعدد ؟
وإذا كان أفلاطون قد حاول للخروج من هذا الإشكال أن يفترض وهو بصدد تكوين نظرية المثل ، عالم من الصور المتوسطة تكون وسائط بين مثال الخير ، وهو قمة عالم المثل (4) ويقول جان فال " .. وكان ما يقصده أفلاطون هو إثبات وجود ماهيات أو مثل ما وراء الظاهرات " – راجع كتابه " طريق الفيلسوف " – هو قمة عالم المثل أو صورة الصور، وبين المحسوسات ، فإن شوبنهور ذهب ، تحت تأثير أفلاطون ، إلى أن القول بالصور باعتبارها الأشكال الأزلية للظواهر أو الأنواع المعقولة التي تشارك فيها المحسوسات . وهذه هي بداية التحقق الموضوعي للإرادة الكلية .

عموماً، أن الإنسان منا يقع في ارتباك وحيرة إذا سألته: لماذا هو يريد ؟ فإذا هو أجاب بأنهّ يريد هذا لكذا ، عدنا إلى السؤال من جديد : ولماذا يريد ما يريد ؟ والتسلسل هنا واضح ، فإن الإرادة لانهائية ، إذ أنها مطلق إرادة لا تخضع لقانون العلية أو قانون السبب الكافي . وهذا هو السبب في أننا سنظل في جهل مطلق بالعلة في الإرادة المطلقة . ومن هنا أيضاً قولنا إن الإرادة ميتافيزيقية . الإرادة تنتمي للواحد والزمان والمكان ينتميان للكثرة ، لذا من أجل تحقق الإرادة ينتفي الزمان والمكان وتتحقق الإرادة في الكينونة / الذات العليا ، وللوصول إلى هذا النوع من الإرادة نحن بحاجة إلى إرادة العمل أو النشاط .
وفي كلتا الحالتين نستطيع أن نقول إن الشيء الجوهري والأساسي في الإنسان إنما هو الإرادة، وهي القوة المسيطرة المتسلطة ليس على الإنسان فحسب، ولكن أيضاً على العالم والوجود. وليس العقل إلا خادماً لها . فنحن لا نريد الشيء لأن الفكر يبرر هذه الإرادة، وإنما نحن نخلق المبررات للشيء لأننا نريده. فالعقل دائماً يخترع لأهواء الإرادة مبررات منطقية .
فالعقل والجسم إذن أداتان للإرادة، ومظاهر ذلك أن الإرادة هي التي تشكل المخ، وتبني الأوردة لدورة الدم، وإرادة التكاثر هي التي تشكل أعضاء التناسل. وإرادة النماء هي التي تجذب النبات إلى الشمس.
ويسأل شوبنهور سؤالاً يحمل معنى الإنكار : أيمكن أن يكون من أعمال العقل ذلك الصراع القوي الذي يخوضه الإنسان طلباً للطعام أو الأنثى أو الأطفال ؟ .
ويجيب شوبنهور على السؤال : كلا ، بل هي الإرادة ؟

وإرادة الحياة تدفع كل شيء إلى النهاية ، ونهاية النهايات يقع كل إنسان آخر الأمر فريسة لإرادة الموت ، وللموت فلسفته الخاصة لدى الناس وحسب المعتقد أو اليقين الذي يتلبسه ، ما يهمنا هو ذلك النوع من الإرادة الذي يمنحنا الكينونة والسيرورة في أن نحدد الإجابة على سؤال التحدي : نكون أو لا نكون ؟ ولن تتحقق تلك الإجابة حتى نجيب على سؤال " الإرادة " .. كيف نصنع أو نحقق الإرادة ؟ .. وللحديث بقية ودعوة للحوار .

1 . حبيب الشاروني : فلسفة مين دي بيران – دار النشر المغربية .
2 . عبد الرحمن بدوي : نيتشه – وكالة المطبوعات .
3 . المعجم الفلسفي ليوسف كرم ومراد وهبة وأبو العلا عفيفي.
4 . تاريخ الفكر الفلسفي – د. محمد علي أبو ريان .
كريم الهزاع
kareem@ofouq.com
 

 

روابط ذات صلة

· زيادة حول إضاءة


أكثر النصوص قراءة عن إضاءة:
فقه الرشوة ... عباس منصور

خيارات

 

الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا