 | | |
 |
|  |
|
(كلوس آب) فلسطيني (3-3) ... عبد الباسط خلف |
أفق : الأحد 17 أبريل 2005 |
|
لقطة بالأبيض والأسود: الفن والسياسة معاً والبيت المتحف
اجتهدت ماسحات السيارة البيضاء في تنظيف الزجاج الأمامي الذي راحت الأمطار تقتص من وضوحه، هنا وفي الطريق الموصول من ولاية نيويورك ومدينتها للجارة نيوجيرسي، يمكننا وفي قلب المركبة الدافئ إعادة الحياة للماضي الأمريكي والفلسطيني أيضاً، فذات يوم من أيام الثورة الأمريكية أو حرب الاستقلال، كانت المعارك في أشدها بين جنود جورج واشنطن وخصومهم البريطانيين الذين تحولوا لحلفاء في جولات لاحقة .
حتى في هذه الأجواء الساحرة والمتنوعة في مناخها بين مطر وشمس وغيوم حرة، تسرق عيوننا جرافات "الكتربلر" الصفراء التي تصنع على جنبات الطريق وغاباتها تطوراً وحياة، فيما عقولنا تطير لغزة ونابلس وسواها من مدننا حيث تعيث فيها هذه الآلة الضخمة التي تحمل اسم مخلوق دودة القز الضعيفة دماراً.
نحاول الهروب إلى الطبيعة، ونخترق الغابة القريبة من ولاية بنسلفينيا، هنا حيث تلقينا دعوة لقضاء عطلة عيد الشكر في ضيافة عائلة جو كاريرا المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، نسرف في الرحيل لماضي المحطة التي يتضرع الأمريكيون فيها إلى الله شكراً بعد رحلة قاسية مع الجوع، ونتعرف إلى الديك الرومي الذي يحتل موائد الشعب الأمريكي.
حتى في عيد الشكر نتحدث عن فلسطين وحق العودة للاجئين من شعبنا ومواصفات الانتخابات الفلسطينية الحرة والمحتلة معاً، ونغرق في التسلل إلى السلام الضائع وجدران الفصل العنصري التي تصنعها إسرائيل باسم الأمن.
لم يصدق جو ولا زوجته ديانا أو ضيوفهما المنحدرون من أصول إيطالية أن طفلة فلسطينية لم تتجاوز التاسعة من عمرها تسكن في خربة رأس الطيرة القريبة من قلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، منعها جنود الاحتلال من تلقي جرعات علاج لوأد الحمى التي اجتاحت جسدها إلا من وراء الأسلاك الشائكة.
الحديث عن السلام لا يملك أن يعيش في فوهة مدافع أدوات القتل والموت الثقيلة، هكذا توصلنا لنقطة اتفاق، فأصحاب القوة هو الذي يصنع سلاماً لا غيرهم.
توم فليدروك المنحدر من أصول بولندية، وزوجنه إليزابيث يتحدثان عن تضامنهما مع الشعب الفلسطيني ويتمنيان من أن ينال في نهاية المطاف دولة حرة كسائر الشعوب، نعرف نحن بدورنا أن إليزابيث تناضل كثيراً فهي التي تسافر كل يوم خمس ساعات في رحلة عمل إلى الأمم المتحدة، وهذا يعنى أنها تغيب عن أسرتها 13 ساعة، لصالح تمسكها بحياة ريفية هادئة لا تزحف المدينة إليها.
المرأة في هذه البلاد تأخذ بعد الزواج اسم زوجها، وتناضل اليزابيث في تحالف وطني لمنظمات نسويه تسعى لتحقيق المساواة مع الرجال في ميادين الوظائف العامة والرواتب.
في قسم الإعلام حيث تعمل اليزابيث، وعند احتساب ميزان القوى العاملة يلاحظ المرء توازناً عادلاً بين الجنسين، فهنا خمس نساء ومثلهم من الرجال فرنسية وأمريكية ويابانية يعملن في مكتب مشترك.
نغرق ثانية وتوم فليدروك في الإشارة للقصة الإنجليزية لماري كوري، التي نقلت إلينا في طفولتنا عن حال المفتش الروسي الذي قدم ذات يوم محتل لوارسو وراح يبحث عن مصدر الصوت الأنثوي الناعم باللغة البولندية الممنوعة. لا يخلو الحديث من دلالات كبيرة لا زلنا نحن نعيشها وإن تبدلت الصور ودارت الأيام.
على مائدة عيد الشكر تختلط الأطباق الأمريكية، والموائد التي صنعتها أم وقاس فحماوي، فالأرز والعدس والحمص والحلوى الفلسطينية جاورت الديك الرومي والبطاطس الفرنسية والحلوى الأمريكية والبيتزا الإيطالية.
ننحاز لأجزاء من موائدنا ونجرب أخرى، ونشرع في جولة في القسم السفلي لمنزل جو كاريرا، الذي يتطرف في الانحياز للرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن.
في البيت المتحف نشاهد بجلاء تماثيل ومقتنيات وكتب وأوسمه وميداليات ورسومات ومنحوتات تشير لمراحل مختلفة من حياة الرئيس الأمريكي الذي وضع حداً للعبودية والرق، وساوى بين الأمريكيين.
في هذا البيت نشعر بأننا على معرفة بالرئيس الأمريكي السادس عشر فكل شيء هنا يشير إلى ذكراه، ونحن الفلسطينيين أكثر ما نحتاج لمن يتضامن معنا ويحررنا من عبودية الاحتلال الذي أدمن انتهاك سيادتنا وأفقنا.
بروي الإيطالي الذي غرق في البحث عن هدايا رمزية يقدمها لنا تجعلنا من عشاق من يحب: الحرية والأمل والحلم والإحسان تجعلك تنفق أغلى ما تملك لنصرة رمز يستحق ذلك بفخر.
ينفق جو الموظف في إحدى البنوك قسطاً كبيراً من وقته وماله في تطوير متحفه الخاص، وفي عطلة نهاية الأسبوع يبحث عن المزيد من المقتنيات التاريخية.
ما أن يستدير الزائر للبيت إلا وتتنازع على استهداف نظراته تماثيل برونزية للرئيس المحرر، وإذا ما قرر تبديل زاوية نظره تكون بانتظاره مقولات لنكولن حول الحرية وقيمها والعدالة وحرية التعبير ، وفي زاوية ثالثة يقدم الرئيس جورج بوش الأب شهادة عن احترامه الكبير للرمز الذي سبقه، ويقدم سطوراً لمناقبه وما يميزه عن غيره من نظرائه الذين وصلوا البيت الأبيض حيث تطهى السياسة الأمريكية وتنقل لموائد العالم.
منذ 22 سنة راح جو يطور متحفه الخاص ويقدر ثمن المقتنيات التي يضمها بـ 300 ألف دولار دفعها من جيبه الخاص، فيما دخله السنوي يتواضع كثيراً مع قيمة متحفه، فهو لا يتجاوز الـ 25 ألف دولار.
لا يتوقف جو عند هذا الحد من الاهتمام، فهو يدمج الفن بالسياسة وينشط على جبهة الصحافة، فيكتب وينشر مقالات عن الرئيس الذي يحب، ولا يقيل بفكرة المقارنة بينه وبين غيره من الرؤساء السابقين أو اللاحقين، لأنه آخي بين الناس وساعدهم ومنحهم الحرية والمساواة.
يقول: تساعدني زوجتي ديانا في ترتيب المتحف، وإعادة تفقده الدورية، ونقضي أوقاتاً مشتركة معاً، وحينما يزورنا الضيوف يدفعهم الفضول لأخذ جولة تفقدية في أرجائه…
انتقى جو دراسة التاريخ الذي أوصله لهذا المنسوب من الهيام بالرئيس أبراهام، وفي جعبته أيضا نسخة من صحيفة "جورنال أوف سيفلايزيشن" أو صحيفة الحضارة الصادرة في السابع عشر من حزيران 1865 حيث كان الرئيس لنكولن فوق أرض أمريكية بدأت تتلقى جرعات الحرية والعدالة وفق جو.
لقطة بلا كاميرا: حوار في سماء الأطلسي الباردة
في أعماق طائرة "الإيرباص" السويسرية وعلى ارتفاع ثمانية وثلاثين ألف قدم، راحت حرارة استرداد شريط ذكريات فلسطيني لاجئ عمل ذات يوم في السلك الدبلوماسي وانتقل بعدها للإعلام في الأمم المتحدة تفوق درجة الأجواء التي نشاهدها من نافذة الطائرة…
اخترنا توقيت الحوار، الأول بالنسبة لي بعيداً عن الأرض، في منتصف الطريق الموصلة من نيويورك إلى جنيف ، حيث سافرنا لإكمال ما تبقي من برنامج التدريب الإعلامي الذي تنظمه الأمم المتحدة، وبالتفاته إلى الساعة الرمادية التي يرتديها الشاب- العجوز في خبرته الذي شارف الوصول إلى العقد السادس ، ولم تكن رحلتنا إلى جنيف منزوعة من الدلالات، فسويسرا التي يشهد لها بالحياد لها مع الذاكرة الفلسطينية الكثير من المحطات، فجنيف ودافوس وبال أو بازل، التي نقترب من الوصول لأجوائها كانت ذات يوم مسرحاً لاتفاقية حقوق الإنسان الرابعة، مثلما شهدت ولادة أول مؤتمر للحركة الصهيونية العام 1897، عدا عن حكايات مؤتمر سلام الشرق الأوسط، ومحادثات السلام الفاترة بين فلسطينيين وإسرائيليين رسميين . وبالصدفة كانت أوراق الزمن تقترب من السنوية الأولى لتوقيع وثيقة جنيف غير الرسمية…
يشترط الدبلوماسي السابق قبل الإقلاع في حوار السماء أن يبقى اسمه طي الكتمان، ونختار بدورنا له اسم ناجي فرسومات الكاريكاتوري الفلسطيني ناجي العلي تنطبق على مقاطع كبيرة من حياته.
يقول: شردت وعائلتي من قرية تقع على قمة جبل الكرمل قريباً من مدينة حيفا العام 1948، ووجدنا أنفسنا لا حول لنا ولا قوة، فوالدي الذي كان يمتلك مساحات من أراضي خصبة زرعها بالحنطة والتبغ، أصبح أجيراً عند أحد الأغنياء في الضفة الأخرى لنهر الأردن.
يسترد ناجي حكاية الشقاء التي صارت تلاحق والده، فكانت أول مسؤولياته إعالة عائلة ذات عشرة أفراد وعمته وجدته بأي طريقة.
كان والد ناجي يسابق الفجر، فينهض من نومه غير الهانئ فغرفة العائلة المتواضعة ذات الأمتار الأربعة طولاً وعرضاً ومبنية من اللبن هي بيت أبو ناجي، ليشد بعدها الرحال إلى مزرعة على ضفة نهر الأردن، لقاء أجر يومي زهيد (اثنا عشر قرشاً)، لا يكفي في أحسن الأحوال إقفال الأفواه الجائعة .
يقفز ناجي بعد أن خرجنا من مطب هوائي، إلى حكاية حنينه إلى وطنه، فالبرغم من أنه لم يعرف بيت والده الأصلي في قريته، صار يتخيله في ذاكرته، لما سمعه من والدته ووالده في القصص الليلية عن حياتهما في تلك القرية، ويرسم له صورة طبوغرافية، فيتخيل شجرة الخروب العملاقة، وبئر الماء وحوش الجيران، إلى أن تمكن وزوجته المقدسية الأصل وأولاده العام 1995 من زيارة مسقط رأسه برفقة عمته وأولاده ، وقبل التوغل في القرية، طلب من عمته الصمت وصار يشرح لهم من وحي مخيلته عن القرية الأطلال، ويتنقل من بيت إلى بيت، فبئر "الناطف" وساحة منزل العائلة لتتطابق الأحلام بالواقع الذي تعرفه العمة التي تسكن اليوم مدينة أم الفحم.
يروي: اندهشت العمة والأولاد بحدسي، ورحنا نجمع الصبر والرمان وتناولنا طعام الغذاء ومعنا الذكريات التي تراكمت فوق رأسي.
راح حديثنا تختلط فيه أرقام التكنولوجيا وصوت قبطان الطائرة، لنحلق في ارتفاعات قديمة لناجي الذي أجبر وعائلته على التنقل بين أحراش عانين في محافظة جنين، وسهل مرج ابن عامر ومخيم نور شمس القريب من طولكرم فالنويعمة القريبة من أريحا إلى الجلزون قرب رام الله ومخيم الكرامة وعلى الضفة الشرقية لنهر الأردن.
لا زال عمل والدي يتكرر في أعماقي، ففي كل مرة أتذكر فيها الشقاء الذي مررنا به نحن وآلاف الأسر الفلسطينية إلا وأعود لمقارنة الأمس باليوم.
عمل والدي في تجميع الفوسفات، وكان يتقاضى لقاء كل طن 25 قرشاً، يلغم ويفجر ويجمع وينقل وينقي الفوسفات، كان يجر العربة أكثر من مسافة كيلومتر، وكنا دائماً في إجازة الصيف نساعده على جر العربة ليضاعف من إنتاجه.
في ذاكرتي التي عرفت الأوراق الدبلوماسية والبروتوكلات والمراسم والسجاد الأخضر، تعشعش اصطلاحات "الطرازنية" وهي العربة المخصصة لتجميع الفوسفات وتتسع لطن مصفى من الشوائب.
يقدم ناجي توصيفاً لحاله بيت عائلته، فقد بنينا خربوشاً "بيتاً فقيراً جداً" من الخيش على أراض أميرية، وصرنا في كل ليلة نبني الطوب إلى حوافه، إلى أن أكملنا وبقي مغطى بسقف متواضع من الخيش لم يحمه من المطر، ولا زالت حادثة المطر الذي أغرقنا وكل مقتنياتنا تستفز ذاكرتي، وبخاصة في اليوم التالي، إذ راح الجيران ينشرون كل ما لديهم تحت شمس خجولة لتجفيفه….
كنت أدرس وأخي الأكبر في مخيم نور شمس، فيما عائلتي تسكن الأردن، إلى أن تخرج أخي الأكبر من دار المعلمين في بيت حنينا، وأصبح مدرساً، وانتقلت أنا لمدرسة الزرقاء الثانوية، فيما استقر والدي في الرصيفة، وكنا نستقل الباص إلى المدرسة.
يضحك ناجي في حركة لا تخلو من دلالات، فقد أستذكر إضراباً خطط له ورفاق المدرسة، عندما رفع صاحب شركة باصات القناعة أجرة الراكب من الرصيفة إلى الزرقاء من قرش ونصف لقرشين، وصرنا نسير مشياً على الأقدام لثمانية كيلو مترات إلى أن أفلح التلامذة في إرجاع التسعيرة القديمة.
يتوقف ناجي مطولاً لاسترداد اللحظة التاريخية التي غيرت مسار حياته، فعندما كان يسير ظهيرة يوم من أيام العام 1964، يدرس استعدادا لامتحانات الثانوية العامة، شاهد سائحاً يحمل حقيبة، أقترب مني وسألني باللغة الإنجليزية عن الاتجاه الذي تقع فيه مدينة عمان، أرشدته على الطريق، وقبل الرحيل استأذنته أن يمنحني أسمه وعنوانه، وقلت له أنا لاجئ فلسطيني أبحث عن فرصة لإكمال دراستي…
كان الشاب الألماني "هيلميت" طويل القامة، أشقر الشعر وأزرق العينيين بشوشاً، رحل وشأنه بعد أن كتب لي عنوانه، وبالفعل راسلته وانتظرت بفارغ الصبر رده، الذي منحني فرصة السفر لألمانيا، لدراسة الهندسة الصناعية.
نشب جدل آخر بين ناجي ووالده، فتذكرة السفر وتكاليفه لعائلة تعاني ضيق ذات اليد لا يمكنها المرور سريعاً على موضوع مالي، كانت أول أسئلة والدي : من أين لنا المال؟
نجح ناجي أخيراً في إقناع والده وأخيه الأكبر باقتراض 69 ديناراً ثمن تذكرة باتجاه واحد من عمان إلى ميونخ، وفي مطار ماركا سابقاً، تهاطلت دموع الأم والأب والأخوة وعويلهم في وداع ناجي الذي لم يسافر أبداً.
وفي رحلة "الترانزيت"، هبطنا في بيروت وبتنا ليلة كانت مشهودة، فقد قدموا لنا طعام غداء لم أشاهده فالسباغتي الإيطالية استعصت على الالتصاق بالشوكة والسكين التي لم أستخدمها في عمري، فبت تلك الليلة بأمعاء خاوية.
كان في جعبة ناجي 84 دولاراً وفرتها مساعي الأب عبر اللجوء إلى صندوق المقرضين، وفي أوراقه قاموس للغة الإنجليزية وللألمانية التي ستطرأ على حياته، ورسالة القبول التي أوصلها له هلموت، "ولم أستطع توفير معطف يقيني من برد ميونخ بل طلبته من والدي الذي بدوره اشتراه من سوق البالة في عمان وأرسله لي"، هكذا أضاف ناجي الذي راح الشيب ينازع رأسه.
ينتقل إلى فصل آخر في عملية توصيف البؤس الذي عاشه، فطفولته لم تعترف بالألبسة والأحذية، غير تلك المرقعة والمليئة بالثقوب، لكن ناجي يقول إن تلك الأيام ذات قسوة لذيذة. يواصل استيراد المزيد من ماضيه فيروي: كانت أمي تقسم لنا الخبز، وتخفيه في المساء في خزانتها، وكان البكاء يعرف كلمة المرور إلىّ، لأن نصيب أخوتي كان أكبر من وجهة نظري.
عند احتساب الموازنة العامة لاقتصاديات عائلة أبو ناجي، كمثال يصلح للتعميم على الفلسطينيين الذين خسروا وطنهم وحلمهم: حفنات من طحين "الإونروا"، ورزمة ملابس غير متجانسة الألوان والأحجام تآكل بعضها، مقدار من التمر يسمى زمبيل ويعادل 50 كيلو غراماً، بعض البقوليات، وطائفة مما تنبت الأرض من ورقيات من طراز الخبيزه والزعتر والعوينه والعلت، واللوف والسلق والحويرة والصنّاب.
قبل أن يعرف ناجي قواعد الحدود ومعاهدات عدم الاعتداء وحسن الجوار، دفعه التوق للخضروات لقطف بعض ثمار الباذنجان من مزرعة قريبة، لكن ضريبة ذلك كلفت الفرار من كلب حراسة لصاحب الحقل.
يروي: كنا نمضغ العرق سوس وننقع بعضه في الماء كمشروب يجعلنا ندفع بقيظ الصيف بعيداً.
أفلح ناجي في إنهاء دراسته الأولى وأحيا حلم والده التائق للابن المهندس، وطار من جديد إلى الولايات المتحدة لإكمال الماجيستير، بعد أن حصل على منحة من إحدى الجامعات الأمريكية في حقل العلاقات الدولية، وواصلت حتى حصلت على الدكتوراه.
كان ناجي عصامياً، إذ عمل في كافتيريا الجامعة وهو يعد نفسه لدراسته الدكتوراه، في البداية عمل كمتخصص في جلي الأواني الكبيرة، ثم رقي لتنظيف الأطباق، بعدها تسلل إلى إعداد الأطباق، فمساعد مالي لمدير المطعم. وكانت الساعات التي يقضيها في العمل تصل 18 ساعة في كل يوم حتى يستطيع تغطية تكاليف معيشته في نيويورك.
يقول: انتقلت للعمل في منظمة غير حكومية تعنى بالشرق الأوسط، وواصلت إلى أن عينت في بعثة دبلوماسية عربية بالأمم المتحدة، وكنت المستشار الذي يعد الخطابات لرئيس البعثة ،، ويجهز له التقارير ويفاوض الدبلوماسيين.
يمزج ناجي بين القديم والجديد، ويعيد الروح لأيامه الماضية، فعندما كان في سن السادسة، وكان وعائلته يسكنون غرفة "قذرة" الجدران والسقف، وتستخدم كمطبخ ومكاناً لتنظيف الملابس المتآكلة، وحاضنة لتربية الأرانب والدجاج.
كانت مهمة ربة العائلة قاسية، فتوفير اللحم مسألة صعبة المنال، يروي ناجي: في كل أسبوع كانت تطل علينا أوقية لحم من الجمال والقليل من الدهون، كان يصل ثمنها خمسة قروش وتستقطع لعشرة أجزاء.
شكلت حكاية المدرس الجفناوي إدوارد نقطة سوداء في حياة الطفل اللاجئ الذي أحب أن يمتلك صورته، ففي ذات نهار أخرج المدرس شيئاً غريباً للتلامذة الصغار، وقال لهم: هذه آلة تصوير، ولم تكن المسألة تحتاج لوقت طويل بالنسبة لناجي الطفل الذي كان ذكيا ومحبوباً بالرغم من الثقوب التي تتنافس لاحتلال ملابسة.
أمر المدرس الصغار في مدرسة الكرامة الأولى العام 1953 بالخروج للساحة ، وأن يرتبوا أنفسهم لالتقاط صورة مشتركة، صعد ناجي للمقعد الأخير وأدى التحية العسكرية كجندي..
يتابع: بعد أيام عاد الأستاذ بالصورة ومررها علينا، وعندما جاء دوري أصابني نوع من الذهول، لأنني شاهدت نفسي لأول مرة، قال أستاذنا من يريد صورة فعليه إحضار قرش ونصف..
ركضت لأمي لأخبرها بما حدث، كانت تلك اللحظة قاسية، فوالدي مصاب بالديزنطاريا، بسبب العمل كأجير في المزرعة لأحد الأثرياء لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً. لم يكن في جعبة والدي أي قرش، وبقيت أبكي لثلاثة أيام، وعندما عدت إلى جفنا القريبة من رام الله العام 1995، رحت أفتش عن إدوراد فأخبروني أنه سافر إلى الولايات المتحدة، ومن ذلك اليوم وأنا أحلم بالصورة، وصرت مولعاً بآلات التصوير وكان أول شيء أصنعه في حياتي شراء كاميرات لي ولزوجتي ولصغاري…
تحوي ذاكرة ناجي العديد من المحطات، فهو كان يتنقل سيراً على الأقدام برفقة عمه وأخوته من طولكرم إلى جنين، وكان يتوق لارتداء ملابس غير مرقعة، وذات مرة سمعنا أن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الإنروا" توزع "بقج" ملابس، وحينما حصلنا على نصيبنا بدأت أبحث عن شيء يناسبني، كانت المفاجأة أنني وجدت كسوة كاملة، وهي رغم سوء تنسيقها وتوقيتها رائعة.
يضيف: أسرعت في أوج الصيف لارتداء ما عثرت عليه من ملابس شتوية، تشمل كل ألوان قوس قزح وذهبت للمدرسة، وعندما شاهدني أستاذي ضمني إليه ورفعني على الطاولة، وتصاعد البكاء من عيني، وبدأ رفاقي يضحكون علي…
لقطة من زاوية محايدة: في سويسرا الخضراء نتحدث عن كل شيء…
تحت الغيوم دائمة الظل في شتاء جنيف، راحت خطواتنا تتجول في المدينة متعددة الوجوه والذكريات، فهنا وفي مكان ما من سويسرا صنعت الحركة الصهيونية نفسها قبل قرن وحفنة من السنوات، وقبل عام بالتمام والكمال وقع فلسطينيون وإسرائيليون وثيقة غير رسمية لتسوية غضت الطرف عن اللاجئين الفلسطينيين، كما يقول الشاب المغترب والساكن لهذه المدينة شديدة البرودة سعيد عادل، وهنا ولدت اتفاقية جنيف الرابعة.
السير في فضاءات المدينة الخضراء والصديقة للبيئة، كالسير في عالم آخر، فحتى عمال النظافة والإسفلت يبدون في هيئة أخرى تفترق عن الصورة النمطية لبعض أصحاب المهن الذين يسرفون في إظهار آثار ما يعملون به.
حينما وصلنا إلى البقعة الأكثر حياداً في العالم، رحنا نسأل أنفسنا طائفة من الصيغ التي ظل جزء منها معلقاً حتى إشعار آخر. فوليد اللوح وغيره من رفاق الوفد الإعلامي الذي منحته الأمم المتحدة فرصة العيش بحرية مؤقتة أياما معدودات، صار يقول: هذا الحياد الذي يغطى بشوكلاه أو جبن يعتريه نقص.
استذكرنا يوم السابع من ديسمبر حيث هرعنا من بيت الضيافة (أنترناسونال مين ديت) الذي يستلقي وسط غابة بيلفيوو القريبة من قلب جنيف العتيقة، إن هذا البلد يرفض الانخراط في الاتحاد الأوروبي، ولم ينظم للأمم المتحدة التي يحتضن قصورها ومقار هيئاتها غير السياسية إلا قبل عامين ونيف.
داخل قصر الأمم المتحدة الرئيس تحدثنا الأسترالية مارينا دي كونت ، دارسة التحكيم الدولي والمتدربة في قسم الإعلام عن حكاية هذا البناء الذي أشترط صاحب أرض التي أقيم عليها قبل التبرع بها، السماح لطاووس التنقل بحرية في حدائق الأمم المتحدة، وبالفعل راح هذا الطائر بريشه وغروره يملأ المكان الذي يحج إليه دبلوماسيو الدنيا… وأيضاً دي كونت مولعة بالعربية وتحاول تعلمها، فتمرر في تمرين أولي أناملها لإعادة كتابة اسمها.
في برنامجنا "الجنيفي" الكثير من اللقاءات والاجتماعات، وقبلها نتجول في ردهات المنظمة الدولية، تعاد لنا الأحاديث عن الأمم المتحدة وجمعياتها لجانها وتقسيمات عمل وكالاتها المتخصصة، ونتحدث نحن بدورنا للدليل الفرنسية عن التحدي الذي يواجه المنظمة، وحاجتها لإصلاح، لطالما تحدثت به أفواه كثيرة باتجاه مؤسساتنا الفلسطينية المضطهدة.
نسمع عن منظمة الغذاء والزراعة التي أعلنت أن السنة الماضية 2004، كانت محطة دولية للأرز، ونقرأ في أثناء الجولة الاستكشافية مقتطفات من كتاب الإرهاب والعولمة للبروفيسور الفلسطيني جمال نصار، الذي أختار للغلاف لوحة لفنان إيطالي تظهر فلسطينية تعزف على أداة موسيقية تراثية وبجانبها جدار الفصل العنصري قد تهاوى.
ندون في أوراقنا اليومية الكثير من التفاصيل التي نرى أن إعادة استخدامها قد تدخل القارئ في دوامة.
نعرف أيضاً أن جنيف تحتضن على مدار العام 1700 اجتماع تحتضنها 34 قاعة، ويغطي أحداثها 250 صحافياً، ونشاهد جناح الهدايا فيستقطبنا رسم "هيفين" المعبد الصيني الذي يخدع النظر، ويجعل المرء يخال أن درجه يسير معه في كل اتجاه، وتستوقفنا التحفة الكبيرة المقدمة من اليابان، مثلما نذهل بالسفينة الكويتية والاشكال الفرعونية المصرية.
على الجدران الكبيرة والمرتفعة تستقر رسومات لأطفال ونساء يعبرون عن النجاح الذي وفرته لهم المنظمة الدولية على الصعد الصحية والتربوية والثقافية، ونشاهد الجسر الذي يربط بين شطري المبنى الأممي، فيما تستلقي في الخارج هدية أمريكية وأخرى روسية، تتحدثان عن العالم ككتلة واحدة..
الروس انحازوا لكرة الأرض الدائرية، التي أظهرت العالم كأجساد تتصل ببعضها البعض في مزج يحفل بالدلالات.
نشاهد أيضا بوابات خشبية أهدتها بلجيكيا لبرلمان العالم، وأكملت إيطاليا الإطار ، وجادت فرنسا بلوحات فنية، فيما كان لسلطنة عمان انحياز للفن ولعصافير الشرق.
في قاعة داخلية نسرف قليلاً في تفحص الجدران والسقوف الذي أهدت أسبانيا رسوماته، كترجمة لمراحل تطورها الاجتماعي والثقافي وللتعبير عن حقب الحرب والطبقية وحروب النبلاء.
تصارع وتضاد وسادة وعبيد وعري وأسلحة هنا في قاعة تخصص لاجتماعات لجنة نزع التسلح التي تأسست العام 1979، وتضم في عضويتها اليوم 66 دولة.
في ردهة أخرى تضم قاعة لجان حقوق الإنسان ألفي مقعد، ونعرف أن في العالم 23 مليون لاجئ سوادهم الأعظم من أفريقيا السمراء.
على تلة مرتفعة تحيط بها مكعبات خضراء، تجلس بناية اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، وفي أحشاء ردهات المكان تنشط غالبية سويسرية (51 % من الموظفين) في "جيش" الإنسانية ، تتابع وتواكب وتبحث في قضايا البؤر الساخنة من الدنيا.
تستقبلنا لوحات فنية تتهكم على الحرب وتعتلي رسومات لأطفال وتقول: الحرب ليست لعبتنا، أبقوها بعيدة دعونا نلعب…
في قاعة محاطة بأشجار استقطع الخريف خضرتها، راحت الإعلامية اللبنانية المسؤولة عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قبل شهر من سفرها لبؤرة العراق المتوترة، تتحدث عن أهداف المنظمة وطبيعتها، لتكمل بانوراما مصورة الحكاية.
في الفيلم الوثائقي الذي أمتد لأربعة عشرة دقيقة بوسع المشاهد الانشداد السريع مع الصور الناطقة، ويحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى المطروحة من طراز: هل مازال هناك مكان للكرامة.. للحدود … للإنسانية…
يشرع الفيلم في رحلة شاقة ولا تنجح خضرة سويسرا الباردة أو شوكلاتتها اللذيذة من تخفيف حرارة الوجع الوثائقي عن ضحايا النزاع.
هنا أيضاً حديث عن القواعد الإنسانية في التعامل وعن الحرب والقانون الدولي، وشرح لسبب إطلاق سياسة إعلامية للمنظمة الدولية ولتذكير المتحاربين بأن الأطفال والنساء يدفعون الثمن الباهظ للحرب.
نستمع ونناقش ونعيش أجواء لا تخلو من دم وقتل ومهمات إنسانية تحاول إطلاق اليد للحوار ونزع فتيل القتال الدامي.
نعرف هنا أن الحركة الدولية تقيم تحالفاتها مع منظمات طبية في ثلاثين بلدا، ونحاط علماً بسر ابتعاد اللجنة العلني عن عدسات الصحافة وضجيج إصدار البيانات بشجبها وإدانتها واستنكارها، حتى تبقى يدها طليقة في دنيا الصراع.
في أرقام سوداني الكثير من الأحاديث عن أسرى الحرب والصراع، ففي عام 2003 سرقت حرية 460 ألف بفعل الحرب المشتعلة في قريتنا الكونية. تصل إلينا حالات عن معاناة نقاط ساخنة من العالم وتأسرنا الصور الإنسانية الناجمة عن الكراهية وغياب الحوار، فتختلط شؤون العراق وأرتيريا وأثيوبيا وفلسطين ولبنان وكمبوديا وأمريكا العادية واللاتينية.
نصغي قليلاً إلى أرقام إضافية من طائفة أن 41 دولة وقعت على اتفاقية تطهير الألغام الأرضية ، ومع هذا دفع 130 ألف إنسان حياتهم ثمن لأدوات القتل الرخيصة هذه.
نصل لتساؤلات ربما كان الأجدر توجيهها لغيرنا عن إمكانية الحديث عن القواعد الإنسانية والحياة والسلام والأمن الاجتماعي والصحي ولم شمل العائلات والمشردين واللاجئين والضحايا، فقوائمنا لا تخلو من كل هذا، نستذكر هنا فقط خال الحاجة مرزوقة الزريعي المواطنة الغزية التي أفقدها رصاص الاحتلال الوقح حياة أربعة من أولادها الخمسة.
تتحدث عن إضراب الأسرى وحرمانهم من الزيارة والإبعاد وهدم المنازل وجدار الفصل العنصري، ونسمع أن اللجنة لا تتعامل إلا مع الحياد، ولا نفهم أن هذا الحياد لا يتعرض واتخاذ موقف من العدوان والقتل الذي يصدره الاحتلال.
في أعماق جنيف العتيقة وقبل يوم من رحيلنا عن المدينة، ندنو من حدود فرنسا، فنخال في البداية أن هناك أسلاكاً شائكة، وشرطة وحرساً للحدود، فتخبرنا نادية شبيب أن الحقيقة مختلفة، فزوجها الدكتور خالد يطلب من بعض الجنود الذين يتوفرون في المواسم عبر نقاط عشوائية للتفتيش إدخال صديقه للعشاء في الأراضي الفرنسية من دون أن يكون في حوزته تأشيرة "الشينكيل"، وفي الغالب فإنهم لا يردون إليه طلبه، فالتبريرات الأمنية غالباً ما تختفي.
تقول نادية التي رأت النور قبل النكبة في يافا، إنها عاشت حالات لجوء جديدة، تنقلت فيها من بلدها فغزة فعمان والقاهرة وبغداد وتونس وبون وباريس وجنيف.
ودفع الحنين إلى الوطن بنادية لتشكيل جمعية تقدم المساعدة للأسر الفلسطينية المسحوقة، وإعادة بناء المنازل الفلسطينية التي يدمرها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية .
نسترد ونحن ندخل بعض أزقة جنيف القديمة، ذكرياتنا مع القدس التي حرمنا من دخولها، فهنا دهاليز قديمة وأزقة وممرات ضيقة ورائحة للمكان من دون أن نجد ذكراً للسلاح والهراوات وحرّاس الحدود والشرطة .
نتمنى أن نعيش بحرية ونتجول ونلهو ونتحدث في قلب القدس القديمة، كما يفعل السويسريون الذين يحيون عيد الحادي عشر من ديسمبير، حيث التسلق والموكب الكبير الذي يصاحبه اللباس التقليدي لأزياء القرن السابع عشر في المدينة العتيقة، إذ يحتفل السكان بذكرى المعركة التي وقعت العام 1602، وأشتبك فيها أهالي السافوا في الإقليم المجاورة مع سكان جنيفا.
تعيد لنا الفرنسية مليادا جوسية السائحة القادمة بسيارتها إلى جنيف حكاية صرح المدينة التاريخي، ووفق نشرة تصدرها إدارة الترويج السياحي في سويسرا ، فإنه ومنذ حوالي اثنتي عشر ألف سنة إلى الوراء، كشفت التقنيات الأثرية على جنيف أن المدينة مأهولة بالناس، وفي العصور الوسطى كانت تابعة للإمبراطورية ويديرها أسقف، ولاحقاً ضمت بالتدريج لأملاك أمراء السافوا، حتى اتسعت من البحر الأبيض المتوسط إلى حدود بيرن وبرغونيا إلى الفاليه.
وعندما أطل القرن السادس عشر برأسه حمل معه كارثة لجنيف عندما فرضت نظريات لوثر الإصلاحية نفسها وهيمنت على المدينة، وفي العام 1536 ولدت الجمهورية، وأستدعي كالفان إلى جنيف لتأسيس صرح روما البروتستانت فيها. وعام 1815 أصبحت جنيف ولاية سويسرية، ومنحتها بحيرتها ونهر الرون المار فيها المزيد من الشهر.
راح رشيد حميد، الفلسطيني الذي هُجّر من بلدة عين الزيتونة القريبة في الجليل العام 1948، وأنفق من عمره 12 سنة في أكثر بقعة حيادية في الكون يقول: هنا للكانتونات دلالات إيجابية إذ تتشكل سويسرا من اتحاد 26 كنتوناً معاً، وتنتشر فيها أربع لغات رسمية هي الفرنسية والإيطالية والألمانية والرومنيش القديمة.
في حديث رشيد حنيناً إلى عين الزيتونة التي لم يرها، وذات أرسل ابنته لتنقل بعينها وعدستها الإلكترونية مشاهد مسقط الرأس الضائع.
داخل مطعم الأمير وسط شارع فولتيير، راحت ألسنة الروائح الشرقية تتصاعد لتشكيل أطباق الشاورما والفلافل، وتختلط أصوات فرنسية وألمانية وعربية تطلب وجبات سريعة أو تعيد الحياة لطلبات أخرى.
هنا تستمع الفلسطينية نسمة شبيب في التعامل مع أطباق تذكرها بوطنها البعيد عن العين والقريب من القلب. تعلمت نسمة الغناء وصارت تغني لفلسطين، وتعمل أيضاً في تسويق أزهار جورية تصنع من الخشب في فرنسا وتوزع في أنحاء سويسرا الخضراء، وأيضاً في مطعم للوجبات الفرنسية.
نتحدث معها عن الغربة والدراسة، وتتحدث عن "الجندر" السويسري، والعلاقة بين الجيل الجديد من الشباب ومؤسساتهم الأسرية، في وقت صار المال يتنافس على كل تفاصيل الحياة وفقما تقول.
ترتبط رنا سوداني بصداقة قوية مع الأسيرة سها بشارة التي أحتجزها جيش جنوب لبنان الذي والى الاحتلال الإسرائيلي، وسقط عمها بنيران القصف الإسرائيلي، وأعتقل شقيقها. تقول قدمت سها إلى فرنسا بعد الإفراج عنها للدراسة، وأعجبت بشاب سويسري تضامن كثيراً مع الشعب الفلسطيني وتصدى بجسده لأدوات التدمير الإسرائيلية التي انقضت على المنازل الفلسطينية، وتزوجا.
انتشرت في محيط جنيف أو كما يسميها أصحابها "أصغر عاصمة أوروبية" أحاديث عن عيد الإيسبلانود، المحطة الذي حدثت فيها معركة فرنسية – سويسرية قبل حفنة من عشرات السنوات، إذ يعيد السكان للأذهان حكاية المرأة السويسرية التي راحت تطهو الطعام في وعاء كبير، وتلقي به على وجوه الغزاة الفرنسيين وتطعم الشق الآخر لجنود بلدها. صار السويسريون يكرّمون أميرة الطنجرة هذه، فيشرعون في ديسيمبر من كل عام في صناعة مجسمات من الشوكلاتة الفاخرة على هيئة طنجرة.
ويحيي آخرون هذه المناسبة بطهو شوكلاتة ساخنة وبيعها في قرى مصنوعة من الخشب وخيام أيضاً.
تروي نادية شبيب: نستغل في أعوام كثيرة هذه المناسبة للترويج لأطباقنا الفلسطينية، ونسوق بعضاً منها، ونعيد مدخولاته لأسر فلسطينية محتاجة.
للشاب التونسي علي قصة أخرى، فهو الذي قدم لسويسرا لأغراض الدراسة والعمل، إذ بدأت علاقته مع "مين ديت أنترناسونال"، أو بيت الضيافة للبعثات الرسمية والمنظمات غير الحكومية الذي تدعمه الحكومة كمتطوع.
صار علي يعرف الكثير عن هذا المكان الساكن في أحشاء الغابة، فكل غرفة فيه تقدم للنزلاء وجبة إفطار ومواصلات بأسعار رخيصة جداً مقارنة ببورصة جنيف المرتفعة ، وتحمل أيضاً أسم مدينة من العالم، فقرطاج التونسية تجاور سانت ياغوا، ومدن يوليفيا تصادق أذربيجان.
قريباً من محطة القطارات المركزية القريبة من الحدود مع فرنسا، تخصص مسارب من الأرصفة لراكبي الدراجات الهوائية التي تزدهر موضة تأجيرها، فيما جنبات الطريق محتلة بحشاش الخرشوف ونباتات ورق اللسان التي نستخدمها نحن في أطباقنا.
نلتقي بالأسترالية ماري دي كونت مجدداً، وتنقل لنا مقاطع من الحياة في بلدها الحارة - الباردة، ننفل لها أسرار تنوعنا المناخي، قلدينا أخفض بقعة في العالم، وعندنا رواب عالية وأنهار وبحر وصحار وبحيرات وهضاب ووديان وسهول واحتلال إضافي.
تستغرب دي كونت كثيراً من الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال مثلما يصعب عليها تصديق حقيقة أن بعض الأسر الفلسطينية لها من الأبناء والبنات العدد نفسه الذي يتشكل منه مجلس الأمن الدولي بأعضائه الدائمين والدوريين.
في داخل مقر الأمم المتحدة لا يلتفت دبلوماسيو الأرض للطاووس الذي يصول ويجول في فراغاتها، أو البط المنتشر حول بحيرتها، فالاعتيادية أفقدت الطائر وسامته، لكننا لم ننس الأرض الذي وضعه صاحب المكان قبل إنشاء مقر المنظمة الدولية بالإبقاء على حرية الطائر الوحيد بين مخلوقات الله الذي تزداد جمالية ذكورة عن إناثه.
كأنهم هنا يشتاقون للرمال، إذ اختاروا الألوان الصفراء كخطوط إرشادية للسابلة، تجانبها آثار أقدام صفراء أيضاً، كتلك التي تظهر في كثبان الصحاري التي تبتعد عن أوروبا.
في محطة كورفان، الخطوة الأولى باتجاه جبال الألب، يمكننا التقاط المزيد من الصور المختلفة، فالعصافير المنتشرة في بلدنا والتي تفر من البشر بسرعة البرق، يطعمها هنا ريتشرد وسواه بيده، وكأنها وقعت اتفاق سلام دائم لم يشهد خروقات أو اتفاقات تفسيرية وملاحق إضافية .
راحت خطواتنا تدنو من قمة جبال الألب في اليوم الذي شهد ولادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1978، الثلج هنا مختلف ودلالاته البيضاء تفوق المواسم النادرة في وطننا العَطِش ، في السماء فوق الغيوم وقريبا من الشمس شاهدنا على ارتفاع 2500 أضواء الطائرات، وانحزنا إلى الترتيبات الخاصة التي صممها السويسريون الذين صنعوا سكة حديد خاصة للصعود إلى القمة.
داخل المطعم حيث تعمل نادلة سمراء وسط بقاع بيضاء، تحدثنا عن الانتفاضة الأولى واتفاقية جنيف غير الرسمية وموقفها من اللاجئين، وارتشفنا مشروب ساخن يعادل ثمن كوبه الواحد دخل أسرة فلسطينية حيث يعيش أكثر من نصف الفلسطينيين وفق أحدث تقرير للبنك الدولي في عالم الفقر.
ننفق جزءا من النهار، ونعود للوزان وبيلفيوا وماندروا لنتذكر أن هذه الحرية ستتبخر عند عتبات أول حاجز إسرائيلي، وهو ما حصل مع نصف أعضاء وفدنا القادمين من غزة، إذ لا زالوا ينتظرون فتح معبر رفح.
لقطة موسيقية: غناء سوري للسلام في الأمم المتحدة
في خريف منهاتن، راحت أصوات موسيقية سورية تتصاعد وهي تغني للسلام في قاعة الأمم المتحدة. شرع بشار موسى وأيهم لباني وإياد الريماوي وحازم العاني وخلدون كوسا وخالد وظائفي بإيقاع جماعي لفرقة تحمل اسم "فرصة سعيدة"، تحمل هموم السلام وتغنى له.
شدت الفرقة أغان من التراث السوري والفلكلور المصري والجزائري والعراقي والخليجي والفلسطيني، وتفاعل الجمهور مع مقطوعات موسيقية امتدت لثلاث ساعات.
وبالصدفة كانت القاعة التي شهدت الحفل ذاتها التي عرض فيها شيء عن فلسطين لمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، وبالصدفة ذاتها كنا نتلقى نحن تدريبا في القاعة القريبة، ونكتب عن فلسطين ونيويورك وفعاليات الجمعية العامة.
"عالمايا عالمايا، عطشان سقيني مايا" بهذه اللوحة التراثية عبر السوريون عن حبهم للسلام أثناء مداولات مجلس الأمن الدولي للقرار 1559، الذي يأمر سوريا بالخروج من لبنان، وهو المكان الذي لا يبعد بضع عشرات من الأمتار عنهم.
وبدأ أعضاء الفرقة منذ فترة بالتجوال على الولايات الأمريكية بحثاً عن آذان تصغي للحن السلام بحسب تعبير أعضاء الفرقة.
قدم د. عصام البدري رئيس النادي العربي بالأمم المتحدة تعريفاً بالفرقة، وذّكر العالم والحضور بأن السلام هو ما ينشده العرب.
وأعاد المندوب السوري الدائم في الجمعية العامة، فيصل مقداد في كلمة الحياة للعامين 96و97، عندما كانت الجمعية العامة تناقش مشروع قرار حول ثقافة السلام، أدنا أن بلادنا تسعى للسلام العادل والشامل.
"وين عالرام الله" لحن تراثي فلسطيني أخرج الحضور عن صمتهم ودفعهم للتفاعل والخروج من المقاعد، ووفق الأميرة العراقية نسرين بنت محمد الهاشمي التي ترأس الأكاديمية الملكية الدولية للسلام فإن السلام ليس له ثقافة، وإن الثقافة هي التي تخدم السلام، وهذا ما يميز السلام الحقيقي عن التطبيع.
لقطة فرنسية : يوم في حياة مارسيال رونويرا…
قبل أن يشرق يوم منهاتن في أواخر الخريف الخجول ، تبدأ مارسيال رونويرا نهارها الذي لا يصل إلى خط النهاية بغياب الشمس.
مارسيال، المرأة الفرنسية التي تعمل منذ 12 سنة مساعدة لمدير برنامج حقوق الإنسان وتصفية الاستعمار والإعلام المنبثق عن منظمة الأمم المتحدة في مقرها الرئيس بنيويورك، دائمة الابتسامة وكتلة نشاط لا يعرف اليأس كلمة المرور إلى مخزونها الهائل من النشاط والفاعلية.
تبدأ يومها بتأمين وصول ولديها سام وجان إلى حضانتيها، وترعى والدتها التي أقعدها المرض قبل أن تواصل مسيرتها، فالأم مصابة بمرض عضال لا يعترف بهدنة وأن قلت، وهي في شوق كبير لولديها.
تصل شارع رقم 44 وجواره وتدخل إلى المقر الرئيس للأمم المتحدة، تحط في الطابق رقم تسعة والقسم المشار إليه برقم 439 لتستهل نهارها برعاية أزهارها بسرعة، القليل من السماد الكيماوي ورشفات من ماء.
تفحص الجدول اليومي لرئيسها في العمل د. سليم فحماوي، فالتأكد من المواعيد الواجب الالتزام بها، ثم فحص البريد الإلكتروني، وتوزيع برامج الدائرة على الأقسام المختلفة، فمتابعة النشرة اليومية لنشاطات الأمين لعام والجمعية العامة، يليه مواكبة كل ما يتصل بجديد برنامج تدريب الصحافيين الفلسطينيين الذي عاش العام الماضي لنسخه التاسعة، لتمضي في تحديد الزيارات الواجب عليها أن ترافق أعضاء الوفد، ومتابعة الأمور الإدارية، واستمرار التنسيق للصحافيين الغائبين يوسف عطوة وألفت الحداد اللذين تأخرا عن البرنامج لأمور ذات صلة بحصار غزة ومعبر رفح وتأشيرة الدخول للولايات المتحدة، ثم تأمين أجهزة الحاسوب وتهيئتها كي يمارس عبرها الصحافيون الفلسطينيون عملهم، والتنسيق للبرامج القادمة والاعتيادية للقسم مع رفاقها الياباني هيرو ياكيو والبنغالي حسن والأمريكية إليزابيث والصينية أيضاً.
في مشهد دائم التكرار من التاسعة وحتى الخامسة والنصف والسادسة أحياناً، تعمل مارسيال على عدة محاور: تمسك سماعة الهاتف، أصابعها تداعب لوحة المفاتيح للحاسوب، تقرأ عيناها الوارد من بريد إلكتروني وتقليدي، تخطط في عقلها لفعل المزيد، تستخدم أحياناً عيناها في الرد على بعض استفسار الصحافيين الفلسطينيين المتدربين، تدون في أوراقها ملاحظات قادمة، توزع البرنامج اليومي للتدريب، ترشد البعض على عناوين القاعات والأمكنة في أروقة الأمم المتحدة وفي فراغات منهاتن القريبة والبعيدة، تجمع وثائق السفر وتذاكر الطائرة تمهيداً لتأشيرة أخرى لدخول سويسرا الأرض المحايدة والمجاورة لبلدها فرنسا.
تتقن مارسيال الإنجليزية وتعلمت من زوجها اللغة الهندية إضافة للغتها الأم، ونحاول نحن تعليمها القليل من المفردات العربية ذات الأهمية بالنسبة لها، وتعرف الفنان اللبناني القريب من اسمها مارسيل خليفة وأغانيه ذائعة الصيت.
تطلق بشكل دائم ابتسامة مرتفعة ويطوق مرحها جو المكتب الذي تقضي فيه أكثر مما تسكن في منزلها أو تشاهد أطفالها.
تقول: أرفض التنازل عن أي يوم عطلة أسبوعية، لأنني أخصصه لطفلي ولزوجي ووالدتي ومهما يحاول رفاقي دعوتي لمناسبات واحتفالات فإنني أرد عليهم بالاعتذار بسرعة فلدي خططي الخاصة، أتنزه وأبنائي وأقضي نهاري كله في إسعادهم وتعويضهم عن النقص طوال أيام عملي وغيابي عنهم.
ورونويرا التي لم تتخطى عتبة سن الأربعين بعد، قدمت ذات يوم لنيويورك في رحلة البحث عن عمل، تنحاز لفرنسيتها وتبدي تضامنا كبيراً مع الشعب الفلسطيني. في تشرين الثاني الماضي استقطعت أجزاء من وقتها الثمين لصالح مواكبة جديد الأنباء المتصلة بصحة الرئيس الراحل ياسر عرفات. فتارة تبحر في فضاءات صحيفة الييموند الفرنسية عبر الإنترنت، وأخرى في موقع وكالة الصحافة الفرنسية، وترحل قليلاً ففي نظراتها إلى الشاشة الصغيرة لمعرفة الأخبار الساخنة الواردة من "السي، إن ، إن" و "فوكس" غير البرئية و "إن، بي، سي" وغيرها، وتتصل بجيش المراسلين المنتدبين من وكالات عالمية المتواجدين في مبنى المنظمة الدولية. تبخرت أحلامها وتلاشت ضحكتها في الحادي عشر من نوفمير، حينما قرأت الأخبار القادمة من المشفى العسكري الفرنسي عن وفاة الرئيس عرفات .
في أعماق مكتبها الذي يشرف على الساحة الرئيسة لمبنى الأمم المتحدة ، حيث سارية العلم الأممي، يمكن للزائرين الموسميين كحالنا نحن من مشاهدة إشارات لفلسطين وانحياز لها، فلا زالت تحتفظ بشارة الخطوط الجوية الفلسطينية التي قدمها لها زملاء من فلسطين التي تتمنى زيارتها، وتعلق أيضاً بطاقات بريدية للوحة للفنانة الفلسطينية منال أبو حميد وكأنها تحاول بطائرتها الورقية ذات الألوان الفاتحة التحليق في عالم نيويورك.
يقول رئيسها في العمل د. سليم فحماوي: لا يمكن أن ترفض مارسيال أي طلب يصلها، مهما كان صعباً، وتقابله بابتسامة، وتحاول ما بوسعها تحقيقه.
تروي : في محطات كثيرة أتناول طعام الإفطار وأنا أعد ورقة عمل أو أرد على مراسلة ما، فلا أمتلك وقتاً لتخصيصه للغداء في المطعم ، رغم استراحة رسمية تتيح للموظفين هنا من النزول للكافتيريا، واختيار وجباتهم المفضلة.
تضيف: من يعمل في مكان ما فعليه أن يفكر في واجباته قبل حقوقه.
ننحاز لشخصية مارسيل الفرنسية السمراء المرحة دائماً وسريعة الحركة والتي تدمج بين تنفيذ أكثر من عمل في وقت واحد، فنطلق عليها لقب "دينمو ناعم" ترد علينا بطلقات من الضحك، وتتمنى أن نشاهد بعضنا في وطنها الفرنسي الذي تحبه.
نقول لها: ليت شارل ديغول على قيد الحياة وليته هو الذي يحتل وطننا لأنه أعترف بخطيئة الاستعمار الذي صنعه أجداده في بلاد ليست لهم.
تتبنى أمنيتنا، ونذكرها بقبعة القائد الفرنسي ديغول، وما نعرفه من ألفاظ فرنسية محدودة، ونسرق قليلاً من وقتها للحديث عن حال النساء في عالمنا العربي، وكيف تدفع النساء الفلسطينيات الثمن الباهظ للاحتلال فالدموع لا تكف عن مطاردتهن بفعل الرصاص الذي يطارد فلذات أكبادهن، ونقر بأن هناك احتلال آخر لنصفنا الآخر من جانب ممارسات ذاتية عرجاء. تعجب بوجود صحيفة تحمل اسم "صوت النساء"، ومجلة تعنى بشؤون العاملات وبرامج إذاعية متخصصة لحواء.
نودع مارسيال في يوم رحيلنا عن نيويورك، ونتذكر أن مجهوداتها وتفانيها وإصرارها تركت فينا آثراً كبيراً، وفتحت الباب على مصراعيه لعقد سلسلة مقارنات وتحليلات لا تخلو من "جلد" إيجابي للذات.
عبد الباسط خلف ، صحفي فلسطيني / جنين
aabdkh@yahoo.com |
|
|
| |
|
|  |
|