 | | |
 |
|  |
|
اللماحية مع زهور أبو نصير ... الشربيني المهندس |
أفق : الثلاثاء 11 يوليو 2006 |
|
إشكالية زاوية الرؤية
إذا كان السرد ليس عملية بوح بين السطور، وربما كان ذلك مرآة الكاتب ونافذته التي يطل منها على العالم. لكن وعي الكاتب بسر لغة الكتابة والقدرة على التواصل يمثل فارقا هاما عند الرصد للأعمال.
ويمثل الجنس الأدبي وقواعده ركنا هاما للكتابة. ويبدو أن القصة القصيرة أصبحت من مـستلزمات العصر الحديث برواجها وكثرة المشتغلين بتأليفها لأنها تناسب قلقه وحياته المتعجلة وتتسع لتعدد زوايا الرؤية. وتعبر عن آلامه وآماله وتجاربه ولحظاته وتأملاته. والقدرة على توصيل الأفكار والخيال والرؤى الثاقبة والذاكرة وتقييم الأشياء أو الحواس الداخلية أمور تستحق التوقف عندها كمظهر للتنفيس أو في مجال التعبير الأدبي مثل القصة بجانب الأسلوب والبناء.
وتمثل القصة القصيرة والأقصوصة في نظرنا لونا أدبيا صعبا لما تتطلبه من مهارة وسيطرة عـلى كافة الخيوط التي تشكلها وسرعة بديهة ومنها اللماحية للتأثير في المتلقي من خلال التجريب والرمز. ويشكل الحدث الجزئي الذي تقوم عليه القصة القصيرة ركنا هاما وما يتصل به من تطور وتنام تقوم به الشخصية الحاسمة وربما الوحيدة فيها عبر إطار محدد من الزمان والمكان دون أن نتوه وسط الجزئيات، مع اعتبار الملحة نوعا من البهجة توجه إلى سوءة دون إحداث ألم.
وهكذا تتولد القصة القصيرة ـ والتي تلتزم بقواعد القص وتعدد الرؤى مع التجريب في الشكل ـ من رحم الحدث كما يتولد الحلم، ويتنامى كما تتنامى الشرنقة أو اللؤلؤة في قلب المحارة. لقد استطاع أبو نصير في رؤيته الجديدة، وأعماله المنشورة أن يأخذنا في نزهة بين السطور بلماحية لنعيش براءة الحكي وبهجته من خلال شخوصه الهامشية التي تحولقت من حوله في لحظات أزمة ارتبطت به. تنظر المرأة إليه بريبة وتفتشه نظراتها في قصة الشك بينما تحاول زوجته كسر رقبته في قصة ذراع مكسور وجينا تهرب من فراشه وهكذا الرؤية أحادية في عالم أبو نصير الذي يحيرنا ويدهشنا لكنه لا يبهرنا.
وتأتي التساؤلات مع الدهشة أو اللماحية ـ وهي تختلف عن الفكاهة ـ التي تقود العمل الفني إلى التشتت الذهني عن الشكل والذي قد يميل إلى المقال. فضلا عن شخصياته التي تتعرف عليها بالمعايشة أكثر منها بالرصد الفني. ولغة عرض مفككة وهي ليست شارحة إنما هي موصلة في اتجاه تنمية الإيحاء وليس المعنى المقصود. وسرد لا يعترف بعلامات التوقف أو الخرق اللغوي أيضا مع سؤال رئيس هل تنتمي النصوص التي بين أيدينا في المجموعة القصصية زهور باسمة ـ بعد صدور قصص العائلة وعيون للكاتب ـ إلى عالم القصة الحديثة؟ وهل وضح أسلوب الكاتب أم هناك تطور ونضج؟
تتناول الكثير من الدراسات الأدبية تقنيات ما يسمى بالقصة القصيرة/ الأقصوصة. وذلك مثل: فن القصة القصيرة لرشاد رشدي، القصة القصيرة: يوسف الشاروني وغيرهم. وقد كان من أبرز المبدعين لهذا الفن "ادجار ألان بو الأمريكي" و "موباسان الفرنسي" و "جوجول الروسي" الذي يعدّه النقاد أبا القصة الحديثة بكل تقنياتها ومظاهرها في دراسة النساج وفيه يقول مكسيم جوركي: "لقد خرجنا من تحت معطف جوجول" وهل خرج أبو نصير أيضا من نفس العباءة مع الفارق قطعا؟
يعتبر يوسف إدريس أبو القصة المصرية مع جوهر والبدوي. وتكمن أهمية القصة القصيرة في أنها شكل أدبي فني قادر على طرح أعقد الرؤى وأخصب القضايا والقراءات ذاتية كانت أو غيرية ونفسية واجتماعية، وبصورة دقيقة واعية من خلال علاقة الحدث بالواقع وما ينجم عنه من صراع وما تمتاز به من تركيز وتكثيف في استخدام الدلالات اللغوية المناسبة لطبيعة الحدث وأحوال الشخصية وخصائص القص وحركية الحوار والسرد ومظاهر الخيال والحقيقة وغير ذلك من القضايا التي تتوغل هذا الفن الأدبي المتميز كما يقول صبري حافظ في جدل الرؤى المتغيرة ويصبح المجال رحبا ومن حق أبو نصير والآخرين التجريب والتعبير بالقصة.
ويرى البعض أن حداثة القصة القصيرة زمنا وأسلوبا جعلتها غير قادرة على ترسيخ تقاليد أدبية واضحة خاصة بها. وجاء ذلك وراء الأزمة التي تعاني منها القصة القصيرة والتي جعلت لكل كاتب أو أكثر قصته، بينما يري البعض الآخر أنها واقعا يجب إعطاؤه الفرصة ولو تعددت التجارب والتقييمات وبذلك يمكن رصد أعمال أبو نصير وغيره.
واذا لم يكن من الضروري أن يسعى الأديب إلى ابتكارمواقف مذهلة وشخصيات غريبة حتي تكون قصته ذات أثر فعـّال في المتلقي فإن الأديب الأصيل يرى المعاني الحقيقيـة للحياة البسيطة التي نراها من خلال مواقف عادية من أنماط الحياة التي قد لا نلتفت إليها. فيحاول تجسيمها وإضفاء شكل أدبي عليها. مع الخناقات الزوجية وداخل الباص والقطار والفندق كما نرصده بالمجموعات القصصية للأديب أبو نصير يراها الكاتب بعين المبدع ويرصدها ببراعة الالتقاط، ويعرضها في بساطة مع تعدد زوايا الرؤية.
ونتذكر جانبا من خصائص القصة والتي تقوم على مظهرين:
مظهر القصّ وعناصره المتعـددة: الحدث والشخصية والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل أو لحظة التنوير، والزمان والمكان.
ثم المظهر الانطباعي/ وحدة الانطباع الذي تحققه القصة القصيرة في العـادة لعـدم تعـدد الأحداث وتنوع الشخوص فيها ولتركيزها على أزمة واحدة أو حدث وشخصية رئيسة غالبا.
وقد وصف د/ أحمد يوسف القصة القصيرة بأنها أقرب الفنون إلى الشعر لاعتمادها على تصوير لمحة دالّة في الزمان والمكان، ومن شأن هذا التصوير التركيز في البناء والتكثيف في الدلالة، وهما سمتان جوهريتان في العمل الشعرى. فقد تدندن بما عن لك وتكتب أيضا ما يجول بخاطرك. وهي تعتمد على سرعة البديهة أو اللماحية. ومن هنا لا ننتظر من كاتب القصة القصيرة أن يقدم الشخصية بأبعادها المعروفة في الفن الدرامى، بل ننتظر منه دائما أن يقدمها متفاعلة مع زمانها ومكانها، صانعة حدثا يحمل طابع الدلالة الشعرية، وهو طابع قابل لتعدد المستويات، ومن ثم التأويلات، ذلك كله من خلال لغة تعتمد الصورة. وهي تتناول حدثا محدودا جدا، أو لمحة خاطفة ذات دلاله فكرية أو نفسية وقعت في إطار محدود كذلك من الزمان والمكان يرصدها القاصّ رصدا تتطور فيه الأبعاد وتتمحور في داخل الشخصية الحاسمة لتبلغ ما يعرف بالعقدة، ثم تأتي لحظة التنوير أو الحل لإشكالية الصراع أو تطور الحدث فيها وهو ما نعتقد بأنه ينطبق على أعمال أبو نصير.
ونلاحظ أن الصورة استاتيكية عند أبو نصير تستطيع أن تقلبها على عدة أوجه وتصنع الحكاية لكنها مسطحة كالصورة الفوتوغرافية. وهي صور مفعمة بالنشاط لكن عقدتها سطحية تختفي بمجرد مرور الصورة بين أصابعك، وهي صور مقيدة بالملاحظة وتحركها أصابع ماهرة، كما أن الحدث له توابع رئيسة وفرعية وتجد التطور دائما في اتجاه الفرعيات فالصورة واحدة في الذراع المكسور مثلا وتسأل عن سبب كسر الذراع ومن الذي كسره لكنه يترك السؤال معلقا ويمضي في تتبع الفرعيات. فالزوجة تترك المنزل وتبدأ أحاديث الطلاق ومشاكل الشقة من حق الزوجة ومن يتكفل بحضانة الأولاد وهكذا. والسرد يتم بطريق التورية العامة بمعني أنه يسير بمنحنى بينما يخفي في باطنه منحنى آخر. ونبحث عن فلسفة أبو نصير ونسجل ما قاله أ. د. عزالدين إسماعيل عن حاجة الأديب مبدعا وناقدا إلى موقف فلسفي وجمالي من الحياة باعتبار العمل الأدبي وجهة نظر مباشرة في الحياة صهرتها التجربة وانضجها التحصيل. من هنا نلمح جدة المضمون التي يفرضها أبو نصير على أحداث قصصه بطريقة سرد تميل إلى الاختلاف. وتأتي البداية من وسط الأحداث مثل قصص جينا والشك، أو من بداية غير تقليدية مثل قصة ذراع مكسور. أو بداية تقليدية مثل قصص تشرد والفندق وهكذا.
ومع الأحداث أو الأخبار وإن كانت أحداث أبو نصير تفتقر لحدة الصراع يظل السؤال المطروح هل ما يكتبه أبو نصير لونا من القص؟
فن القصة القصيرة يختلف عن المقال والخبر الذي هو ضرب أدبي يقوم على القص والسرد للأحداث المتعددة دون عـناية بتصوير الأبعاد الفنية والاجتماعية وغيرها للشخصيات الفاعلة، فالعناية منصبة على تطور الأحداث في المقام الأول دون اهتمام فني بالزمان والمكان وتحديد مقومات الشخصية، مثلا في خبر "البسوس" وغزوات الرسول (ص) وغيرها نجد صبغة الخبر التاريخي/ الحدث التاريخي.
وقد كتب د.طه حسين نوعا من النصوص سماه ما بين المقال والقصة يتناول الحكمة وغيرها في كتابة جنة الشوك عن دار المعارف. حيث يقول الفتى ويقوم الشيخ بالإجابة. مثلا تحت عنوان حرية.
قال الطالب الفتى لأستاذه الشيخ:
ألم تر إلى فلان ولد حرا وشب حرا وشاخ حرا.. فلما دنا من الهرم آثر الرق فيما بقي من الأيام على الحرية التي صحبها في أكثر العمر؟
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:
أضعفته السن فلم يستطع أن يحتمل الشيخوخة والحرية معا. وأنت تعلم أن الحرية تحمل الأحرار أعباء ثقالا.
ولكن أبو نصير تحرر من الالتزام في نصوصه وأعطى لقلمه الحرية وأطلق لذاكرته العنان. واعتمد على قدرة القارئ وبداهته للانتقال من المستوى اللفظي/ المادي إلى المستوى التمثيلي/ الإدراكي. وجاءت النصوص الإبداعية زهور باسمة للأستاذ الأديب المهندس أبو نصير عثمان أو الفندق كما سماه البعض. ربما لأن العنوان من خارج العناوين الفرعية وأيضا لا علاقة مباشرة بين هذا العنوان والموضوعات المطروحة وتبحث طويلا عن الزهور وتقل الصعوبة في الحصول على البسمة. والحكايات تتعلق بالسفر والغربة وعنوان الفندق أكثر موضوعية كما أنه عنوان القصة الثانية.
وتأتي إشكالية التناول وفرصة الاقتراب من النصوص كالطائر وظله حيث فرصة التلاقي في السكون بينما تتعدد الاحتمالات مع الحركة. ونحاول تطبيق ما طرحناه في السطور السابقة وهل تمثل النصوص المعروضة فنا قصصيا أم هي تخضع للتجريب الشكلي للقص أكثر؟ وهو يستخدم لغة سردية شفيفة مع شهوة السرد أحياناً وضعف التركيب اللغوي في بعض الأحيان، والبعد عن الاحساس والوجدان والأساليب البلاغية حيث حديث الذات أو ما يطلق عليه الغنائية أكثر وضوحا.
ودون استباق أو احتكار للأحكام مع النصوص نقول بصورة مجملة أن الغنائية تتجلى لدى المؤلف في غلبة الرؤية الذاتية في السرد بغض النظر عن الضمير المستخدم، وضعف الصراع الدرامي في الأحداث وبروز صوت المؤلف مجلجلا، وهي عناصر كافية تماماً لتأكيد الصيغة الغنائية وهيمنتها على القصة وتتداخل الضمائر وتتنوع لدى أبو نصير وهو أمر مشروع، بيد أن هذا التنوع تحكمه رؤية سردية واحدة، رؤية ذاتية أو قل رؤية المؤلف نفسه، فمثلاً يبدأ المؤلف القصة الأولي (تشرد) بهذه الجملة (منذ ثلاثة سنوات جئت إلى المدينة جيم) بينما كانت بداية القصة الثانية الفندق هكذا (رمقني سائق الأتوبيس بنظرة باردة). وبداية القصة الثالثة ذراع مكسور كانت (وعقب وقوع حادث كسر لذراع زوجتي قالت بأن هذه فرصتها لكسر رقبتي). وهكذا مع من يلوي ذراع من. تعيش الحكاية.
ويلجأ الكاتب إلى التكرار في صورة لفظة أو جملة لخلق نوع من الإيقاع مثل: عبارة التي ستصبح زوجتي السابقة في قصة ذراع مكسور. أو من يصنع من الحبة قبة كما يقال. والمشكلة أن التكرار مع الشخصيات المسطحة قد يقود إلى الملل.
وإذا كانت الحكاية تتطلب حب الاستطلاع. والشخصية تحتاج إلى مشاعر إنسانية وشعور بالقيم. والحبكة تتطلب ذكاء وذاكرة واعية فإن محاولة الاختلاف تتطلب شيئا إضافيا. وإن كان ذلك يرتبط بالقارئ وخصوصية الفن كوحدة قائمة بذاتها ولها قوانينها.
وهل هذا ما حاوله كاتبنا الذي يتمتع برؤية خاصة ومحاولة توسيع البصيرة في القصة القصيرة. وهو مغرم برصد السلوكيات الإنسانية لشخصيات تتحرك داخل ذاتها مع المنولوج الداخلي للمؤلف، وداخل المجتمع مع أحداث متقاطعة مع السرد، وإلباسها ثوبا من السخرية أحيانا والملاحة أحيانا أخرى. وهي غالبا موجهه إلى أنماط خارجة عن نطاق السلوك والفكر الإنساني السوي كما يقول د. نبيل راغب في كتابه الأدب الساخر، وكما تجده في قصص اللصوص وإفلاس وغيرها. مع تنويع الموضوعات. حيث كانت المعرفة من نصيب قصة ولد ولا بنت عن الكروموزومات وقضية الوراثة وبطلها سيد محفوظات ويعني هذا الإسم رمزية خاصة. والمعرفة هنا مختلفة عن حكايات السفر في قصص الفندق وتشرد وحالات السفر والغربة.
وتحتل الفنتازيا جانبا آخر حيث يشد أذنه اليمنى ثم اليسرى متحولا إلى طائرة هليوكوبتر في قصة هدوء لينقذ حبيبته من الزواج بآخر وتفتقد البريق مع نهاية معلقة. أو خاتم في يد المرأة أو إصبعها طبقا للمثل البلدي في قصة خاتم الزواج. وكيف لا يمنع ذلك وقوع الخيانة.
أيضا كانت للعناوين دلالاتها الإضافية فالحديقة العامة وقد انتقلت الخطيبة إلى رجل آخر ثم عادت إليه بصورة أخرى تبثه همومها. بينما الحديقة المفتوحة عن الفتاة التي سلمت نفسها لخطيبها الهارب. ويأخذك العنوان (قاطع طريق) في حكاية تبتعد تماما عن الحكي في القصة حتى تعرف في النهاية قصدية المؤلف. بينما تحتار مع نهاية قصة دعاء وعنوانها والفئران وإفلاس وهكذا من محاولات الكاتب باستخدام الدهشة لإعطاء العبرة من أحداثها وأنماط شخصياتها كما يقول في المقدمة. ويمثل الربط بين الاستهلال والنهاية ومضمون القصـة وزنا لا يستهان به ومفتاح النجاح للعمل الفني والأدبي. وهنا مفارقات في هذا الاتجاه حيث الموعظة غالبة، أو العجلة في إنهاء القصة على شكل الإفاقة من حلم اليقظة أو الاغفاءة، أو مع نهاية مكالمة تليفونية.
تبدأ قصة هدوء: أجرت موبيل في العجمي وتتبع الحكاية وخطيبته تستغيث به من إجبارها على الزواج بغيره وتعيش مع أحداث فانتازيا أفلام كرتونية ثم تأتي النهاية وصاحب الموبيل يقول له في هدوء المكالمة أخذت مائة دقيقة ويسقط من طوله وهو ينادي على مها أن تأتي لتنقذه. وفي قصة إفلاس تأتي النهاية الساخرة من وجهة نظر الكاتب (وكان المطلوب عبارة عن جنيه واحد فقط) وطبعا تحديد قيمة النقد كدالة مرتبطة بالزمن خارج القصة وبذلك فهي لا تتجاوز لحظة الكتابة. وفي قصة اضطرار قد تضحك مع لغة الحوار لكنك تفتقد الرابط بين من يركب الترام ويملك سيارات تاكسي، أو من يحمل حقيبة نقود يريد تسليمها للخزانة في موعد محدد وغيرهم. ومن لا يهمه سوى مشاهدة الكورة وأنماط جمعها موقف اخترعه خيال الكاتب حيث يضطر الترام للتوقف عند محطة انفجرت عندها ماسورة المياه. ويقوم المحصل بتوزيع المايوهات على الركاب لعبورها فيما يشبه كوميديا الموقف.
وقد أضعف ذلك النص القصصي لتبدو مثل النكتة أو المزجة وربما من الأدب الساخر ولكن مع ظهور البعد الفانتازي كبعد واحد لا يخدم وضوح الرسالة. فمع البحث عن سر صياح مدموازيل فرانسواز ليلا تنتقل إلى حكاية قطتها الهاربة في قصة الفندق وهكذا وإن كان على الكاتب أن يحرص على الاتساق المنطقي في فكره وتعبيره متجنبا الاستهانة بهدفه قاصدا استقطاب مؤيديه ودافعا إلى عملية نقد ذاتي ومحتفظا بالمظهر الانطباعي.
وبين الفكاهة التي تثير ميل الإنسان الفطري إلى الضحك، والسخرية والتهكم في التعامل مع عقل المتلقي بصورة أكبر تأتي أعمال أبو نصير التي تحتاج لدرجة من الوعي لاستخراج الدلالات العميقة التي يريد الكاتب توصيلها للقراء. وتأتي الصعوبة من قبول المتلقي لاكتشاف خطأ توقعاته الفكرية والوجدانية التي تتجه مع النص وجهة أخرى تماما كالمفارقة. ومغزى الملحة يكمن في الربط بين خيبة توقعات محتملة وإشباع توقعات مفاجئة. ويبدو أن توقعات معظم نصوص أبو نصير خارج الحسبان. وهكذا من العنوان ودلالاته وتتبع أنماط وأساليب حياة بسيطة ونهاية مفارقة حاول كاتبنا المتميز أبو نصير بلغة بسيطة طرح الحكايات في سلسلة مـن المشاهد الموصوفة تنشأ خلالها حالة مسبّبة تتطلّب شخصية حاسمة ذات صفة مسيطرة وهي المؤلف غالبا من خلال حدث محدود وتفريعاته، أو لمحة خاطفة ذات دلاله فكرية أو نفسية وقعت في إطار محدود الزمان والمكان يرصدها رصدا تتطور فيه الأبعاد وتتمحور في داخل الشخصية الحاسمة، صانعة حدثا يحمل طابع الدلالة الشعرية، وهو طابع قابل لتعدد المستويات، ومن ثم التأويلات.
وهنا نلمح طبيعة أعمال أبو نصير والتي تجنح إلى خلق مناخ خاص لحكايات غير مألوفة تشعر بألفتها في النهاية مع لغة بسيطة وسرد سهل يصل بك إلى النهاية مع حالة من السخرية الشفيفة والبعد عن كآبة التعبير ورمادية التصوير وطنابة الأسلوب. مخاطبا العقل الكامن غالبا حيث التناقضات الموجودة بأنماط ركاب الترام أو الفندق أو أفراد العائلة مثلا هي دعوة لرصد شرائح اجتماعية وأنماط سلوكية وأفكار سائدة وتعريتها بأكثر من طريقة يغلب عليها التشتت. نلمح سمات تجربة قصصية جديدة خلال الإطار الفردي والتأثير الاجتماعي ويغلب عليها خواطر ومشاعر تتدفق مع تيار الوعي والمشاعر الداخلية للكاتب وتمتزج بالإسقاطات الساخرة أحيانا. ويغلب صـوت الراوي الراصد في معظم الأحيان ويأتي الحدث خافت الصوت.
الشربيني المهندس/ كاتب مصري
elsherbiny22003@yahoo.com |
|
|
| |
|
|  |
|