الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا 

 

أبواب المجلة

المكتبة الإلكترونية

حول مجلة أفق

اختيارات عشوائية

المتواجدون الآن

يتصفح أفق حاليا:
33 ضيف/ ضيوف
0 عضو/ أعضاء

أكثر تواجد : 617
بتاريخ: 14-07-2007
الساعة: 04:12:59

البحث



إحصائيات

تم استعراض
8664136
صفحة منذ أكتوبر 2004

الجنس والأدب ... د. علي حسين آل إبراهيم

أقواسأفق : الأربعاء 02 أغسطس 2006


عندما يلج الجنس في مداخل الأدب المحلي

المجتمع السعودي مجتمع هامشي المعرفة بالأدب. لا تتعدى قراءة معظم أفراد الشعب الجرائد المطبوعة أو المنتديات الإلكترونية التي هي صدى ما تكتبه وما لا تكتبه الجرائد. ومع أن أغلبية السكان يستطيعون على الأقل فك الخط، فالأمية الثقافية المعرفية متفشية فينا من رأسنا إلى أخمص قدمينا بل وعلى أعلى المستويات. والمجتمع السعودي يشارك مثيله من مجتمعات الخليج والعالم العربي المصابين بنفس المشكلة الثقافية. والمطلع على خبايا دور النشر والتوزيع في السعودية يستطيع أن يستشف المشكلة الثقافية القائمة.

فالكتب الأكثر مبيعا هي الكتب القديمة المعادة الطباعة والتي لا شأن لها إلا سوق الأحاديث والآيات والترغيب والترهيب. ولا انتشار للكتب العقلية أو الإبداعية بشتى أنواعها والتي تحاكي مدارك الإنسان. ففي حين يسجل كتاب "لا تحزن" بيع مليون نسخة - وأظن الرقم مبالغ فيه -، لا يستطيع محمد حسن علوان بكل ما أوتي من قدرة أدبية ولغوية خلاقة أن يبيع الطبعة الأولى لروايته صوفيا أو سقف الكفاية. وبغض النظر عن محتوى الروايتين اللتين قد لا تتناسبا مع الثقافة المحلية، فلا مكان حقيقي للأدب أو الكتاب الجاد في ثقافتنا. نحن أمة كما تعلمون، لا نقرأ.
ولكن هل ما زلنا لا نقرأ؟ أظن أن الوضع بدأ في التغيير، وألاحظ أنا والكثير ممن يعنون بشؤون الكتاب تزايد مبيعات الكتب بشكل عام. ولكن هل هذا التزايد تزايد إيجابي؟ ما الذي تغير حقا مع العلم أن دور النشر في غالبيتها العظمى ما زالت تعيد طباعة الكتب الصفراء وتقتات منها؟ ومن زار معرض الرياض للكتاب يستطيع بنظرة خاطفة إطلاق نفس الحكم.
لن أناقش الاتجاهات المختلفة لمجموعة صغيرة جدا من دور النشر التي استطاعت أن تحقق مبيعات ممتازة، ولكنني هنا أريد التركيز على الرواية السعودية والعربية الدارجة والمتداولة بشكل يكاد يكون خرافيا بالنسبة لمجتمعنا.

مع أننا مجتمع حديث العهد بالفن الأدبي الروائي، استطاع مجموعة من الروائيين السعوديين إثراء الأدب العالمي - وأنا لا أبالغ أبدا - بإصدارات رائعة من الناحية الأدبية وناجحة جدا من ناحية الأهداف. ولكن بكل أسف ما أسميه أنا الرواية العربية العظيمة لا سوق لها في المملكة العربية السعودية. بل لا تتجاوز عدد النسخ المباعة منها الألف أو الألفين مع المبالغة! ومع أن الشعب السعودي شعب يحب الفضائح -كما هو حال المجتمعات العربية - فلا وجود حقيقي لرواية مدن الملح بأجزائها الخمسة في المجتمع السعودي. أجل، أنا أدرك أن الرواية لا يسمح ببيعها في البلاد، ولكن هل حد ذلك من انتشار النسخ المصورة لكتاب "الأيك في علم النيك" أو "رجوع الشيخ إلى صباه" مع العلم أن الإثنان لا يسمح ببيعهما؟ أو حد من انتشار النسخ المصورة لكتاب "شمس المعارف الكبرى"؟ أو بنات الرياض؟
مشكلة روايات عبد الرحمن منيف الأربع والعشرون، أنها تتضمن قالبا أدبيا حقيقيا وأهدافا تأريخية أو اجتماعية، وهذا النوع من الروايات لا يسترعي اهتمام المجتمع، أو القراء الذين يتمسحون بالثقافة لتنضح عليهم الألقاب اللماعة من قبيل "مثقف" و "ناقد" و "قارئ". وعبد الرحمن منيف ما هو إلا مثال واحد، وهو الأهم في نظري، إلى الرواية السعودية الجادة مع أن غيره متواجدون وإنتاجاتهم الأدبية موجودة على أرفف المكتبات.

معتاد أنا أن أتمشى على ساحل البحر بخطى بطيئة جدا أقرأ كتابا. ومعتاد على أن أكون الوحيد الذي يمسك بكتاب!. أما إن يصل الأمر إلى أن أقوم بعلاج مريض في العناية المركزة وإبناه يقفان بجانبي وكل منهما يمسك نسخة من رواية بنات الرياض فهذا ما لم أتوقعه تماما!

استطاع بعض دور النشر - كدار الساقي - أن ينهج منهج الفيديو كليب في النشر. متماشيا مع المقولة المصرية الشهيرة "الجمهور عاوز كده" وكما علمت روتانا أن هيفاء وهبي لا تستطيع بيع شريط واحد بهذا الصوت البقري الهابط، وبالتالي قدمت أفخاذ هيفاء وهبي، وصدرها، ومؤخرتها للجمهور لتغييب أذنيه وفتح عينيه. الناتج مبيعات هائلة لأغان وموسيقى لا أستطيع وصفها حتى بالتافهة، لا للأغنية، ولكن للأيقونة الجنسية الشبقية التي تمثلها هيفاء وهبي. وكذلك فعلت بعض دور النشر.

لم أكن أعلم أن في اللغة العربية ما يسمى "الطبقة المخملية" لما تصفه رجاء الصانع في رواية بنات الرياض. ومع أن الرواية خالية تماما من أي قالب أدبي ولا مكان حتى لنقدها أدبيا، استطاعت دار الساقي بيع 60000 نسخة من الرواية في عام واحد ناهيك عن عدد النسخ اللاقانونية! بل الأغرب من ذلك تناول الرواية بهذا الكم من القدر في شتى وسائل الإعلام حتى أضحت ظاهرة ثقافية ألصقت بالأدب قسرا. ولا دخل لتقديم غازي القصيبي في زيادة المبيعات وإن حاول الكثير التعويل على ذلك. السبب في انتشارها ذكاء دار الساقي في اختيار الاسم، ومحتوى الرواية القائم على تطبيع العلاقات بين الجنسين وتأصيل مبدأ الصداقة بين الرجل والمرأة في مجتمع لا يعترف بالعلاقات الإنسانية اللامثلية. وحتى مع تفاهة الرواية كعمل أدبي انقض على الحديث عنها كل الناس بدون استثناء، حتى أولائك الذين تلصق فيهم ألقاب النقاد أو المثقفين لا لشيء إلا لأنهم هم أيضا ينتمون إلى نفس الثقافة الدارجة المحبة لاستطلاع الجنس الآخر والبحث عن المستور. أنا أبارك لدار الساقي حسن اختيار المادة المطبوعة وسياسة النشر التي اتبعتها والاسم الذي اختارته. ولكني أعزي المجتمع السعودي لإقباله الشديد على سواقط الأدب الحديث.. كان حريا أن تطبع ضمن سلسلة روايات عبير.

زينب حفني ورواياتها، آخرها رواية ملامح، مثال صارخ آخر على ما يشد اهتمام الشعب السعودي. الروايات الثلاث نسخ متشابهة من بعض، لها نفس الموضوع وإن اختلفت القصص، ولا تحتوي الروايات الثلاث على أي جانب إبداعي أدبي بل لا تلامس الأدب الروائي. لو حذفت منها مجموعة من الصفحات لما تأثر سياق القصة ولا أنقصت من الرواية أي شيء في بنائها القصصي. ولكن لو حذفتها لما استطاعت زينب حفني أن تبيع مئة نسخة من الروايات الثلاث مجتمعة. هذه الصفحات هي الصفحات المتعلقة بالوصف الجنسي والتي تعلم الكاتبة ودار النشر -دار الساقي مرة أخرى - أن الشعب السعودي والعربي متشوق إليه بل ومستعد لإغفال كل الصفحات للوصول إلى الصفحة المطلوبة. ومع الفارق الضخم بين أعمال أحلام مستغانمي الروائية الجميلة - التي أعطت دار الساقي الخبرة – والتي احتوت على ما يشابه صفحات زينب حفني، أدركت دار الساقي أن القالب الأدبي والإبداع ليس هو ما يبحث عنه القارئ السعودي أبدا. واستطاعت الدار مرة أخرى تسويق الرواية بنجاح تماما كما تسوق هيفاء وهبي على شاشات التلفزة. اليوم زينب حفني في المجتمع السعودي تكاد تكون باولو كويلو في البرازيل! ليس في القدرة الأدبية - مع الاستحالة طبعا - وإنما في الانتشار والشهرة لا لشيء إلا لأنها عرفت بالتحديد كيف تبيع رواياتها وماذا تضمنها.

كيف يفسر نفاذ 20000 نسخة من رواية القِران المقدس للكاتبة التي تسمي نفسها طيف الحلاج وهي في قمة السخافة الأدبية، بل حتى لا تستحق إطلاق مصطلح الرواية عليها إذا نظر القارئ إلى أسلوب كسر القصة لتبدي الكاتبة آرائها الشخصية على لسانها الشخصي وليس على لسان الشخصيات الروائية. لا تفسير إلا عندما وصفت الكاتبة فيلما جنسيا بكل تفاصيله مسمية ذكر الرجل "المنارة" وفرج الأنثى "العتبات المقدسة" ومستشهدة بآيات القرآن على العملية الجنسية!

أنا لا ألقي التهم جزافا على مجتمع بأكمله دون أدلة. فلاحظ مثلا أن ثلاثية الدكتور تركي الحمد (العدامة، الشميسي، الكراديب) تجاوزت الطبعة العاشرة، بينما روايته (شرق الوادي) متواجدة بطبعتها الأولى أو الثانية على الأرفف ولا سبب إلا لأسلوب الفضائح والجنس في الثلاثية وغياب ذلك في شرق الوادي. بل إن كتب تركي الحمد جميعها إذا استثنينا الثلاثية، وهي حوالي الثمانية أو العشرة، لم تصل مبيعاتها بمجموعها مقدار مبيعات الثلاثية مع أنها كتب جيدة هادفة وبناءة. وهو تماما انعكاس لما يقرأه ويبحث عنه القارئ السعودي الجديد الهاوي.

الأمثلة كثيرة جدا، والتفكير فيها يدفعني للبكاء. فسوق، آخر روايات عبده خال - دار الساقي أيضا - نفذت نسختها الأولى خلال ثلاثة أشهر (10000 نسخة)، بينما رواية مدن الرماد - نشر العبيكان - لروائية سعودية حري بإعلامنا أن يتبناها ويقدمها للناس لم يبع منها أكثر من 68 نسخة مع أنها منشورة منذ عامين!

من للروائيين الجادّين - وخصوصا الجدد - في مجتمعنا، ومن يتبناهم ويشجعهم إذا اهتم الإعلاميون، كتركي الدخيل مثلا، بسواقط الأدب والرواية وكتّاب الخواطر وأهملوا من يستحقون الذكر والإشادة والتشجيع؟ إن كان في اللغة وصف "الطبقة المخملية" على حد تعبير رجاء الصانع، فنحن اليوم على الساحة الأدبية نرى بروز الطبقة المخملية من الكتاب السعوديين الذين لا أدب روائي لديهم ولا أي جانب فني ولا أي هدف روائي سوى السرد الممل، وإنما هي صرخة مفادها "يا هوووه أنا موجود" متداخلة بين صرخات دار الساقي "الجمهور عاوز كده".

د. علي حسين آل إبراهيم
alioud16@gmail.com
 

 

روابط ذات صلة

خيارات

 

الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا