الواقع والمتخيل في عمارة يعقوبيان ... شوقي عبد الحميد يحيى
أفق : الأربعاء 02 أغسطس 2006
لم تحظ رواية حديثة بمثل ما حظيت به رواية عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني رغم تناولها لما تناولته روايات كثيرة، خاصة روايات القرن الجديد بما أفرزته من مجموعة من الخصائص التي تميزت بها، والتي منها الدخول إلى الموضوع مباشرة، والحديث عن مجموعة السوءات التي تعتور المجتمع المصري في سنواته الأخيرة، وسير الأحداث في طريق أفقي أكثر من سيرها في طريق رأسي مثلما كانت الرواية في العقود الأخيرة من القرن الماضي.
ورغم اشتراك عمارة يعقوبيان في الكثير من هذه السمات، إلا أن شيئا خاصا يميزها ويعطيها هذه الشهرة الواسعة، والنجاح المستحق، والوصول بها إلى عالم السينما ليجسدها ألمع نجوم الشاشة في مصر.
لقد نجح الأسواني في اقتحام بعض ما يعتبر محرما، وظنه الكثيرون دخول إلى حقل ألغام، فاقتحمه وأخذ فيه تشريحا وفضحا، خاصة وأنها شخصية كانت لم تزل في سلطة الحكم، وتملك من كراهية الناس ما لم يملكه أحد غيره، ذلك هو شخصية كمال الفولي الذي لا يختلف اثنين في تحديده، خاصة وأنه أحد أبرز من أفسدوا الحياة السياسية في مصر طوال نصف قرن. وقد رسمه بكل وضوح وشجاعة، فكانت القراءة حوله وعنه بمثابة التشفي الذي قد يشفي بعض الغليل.
وليس ذلك وحده ما جعل الرواية في مقدمة الروايات الأكثر مبيعا، وإنما يضاف إليه – في تصورنا – عودة السرد إلى إسلوب الحكي السلس البسيط، الذي يجذب القارئ من جديد إلى القراءة المهجورة في ظل سيطرة الصورة وغيرها من الأسباب التي تراجعت القراءة أمامها .
والرواية علي الرغم من كونها تتناول الأوضاع الحالية في المجتمع، وتضع أيدينا على بعض صور الفساد فيه، إلا أنها لا تكتفي بإثارة شجوننا ومواجعنا، ولكنها تعود بنا إلى جذور ذلك الذي يحدث الآن، فثمر الشجر لا يعلق في الهواء من نفشه – كما دائما أردد، لكن الثمر يعلق في فروع، والفروع تنبثق من جذع، والجذع له جذور، وقد حدد الأسواني تاريخا فاصلا في حياة مصر، وكان بالفعل بداية تحول اجتماعي هائل امتد أثره حتى هذه اللحظة التي نعيشها الآن، ذلك التاريخ هو 23 يوليو 1952، فكيف صور الأسواني ذلك؟
زكي بك الدسوقي، تلك الشخصية المحورية الرئيسية في الرواية، من أقدم سكان عمارة يعقوبيان الكائنة في وسط البلد، هو:
".. الابن الأصغر لعبد العال باشا الدسوقي، القطب الوفدي المعروف، الذي تولى الوزارة أكثر من مرة، وكان من كبار الأثرياء قبل الثورة، إذ كان يملك وأسرته ما يزيد عن خمسة آلاف فدان من أجود الأطيان الزراعية.."
ولم يتوقف الأسواني عند هذا ليفهم أن زكي بك هذا مجرد عاطل بالوراثة، استنادا على ذلك، وإنما استطرد ليؤكد أنه على الرغم من هذا:
".. تعلم زكي بك الهندسة في جامعة باريس في فرنسا، وكان متوقعا له بطبيعة الحال أن يلعب دورا سياسيا بارزا في مصر.."(ص10). ولم تكن تلك – أيضا - كل مؤهلاته، ولكن جانبا أكثر أهمية في تكوين شخصية زكى بك، ذلك هو الجانب الشعبي – رغم الارستقراطية التي قد يوحي ما سبق من مؤهلات، فنرى أنه على زكي بك لكي يقطع مجرد مسافة لا تتعدى مائة متر "أن يحيي أصدقاءه في الشارع: أصحاب محلات الملابس والأحذية والعاملين فيها من الجنسين، الجرسونات والعاملين في السينما ورواد محل البن البرازيلي، حتى البوابين، وماسحي الأحذية والمتسولين وعساكر المرور، يعرفهم زكي بك بالاسم ويتبادل معهم التحيات والأخبار"(ص9). إذن فزكي بك يملك من المؤهلات العلمية (الهندسة)، والشعبية (أصدقاءه) ما يؤهله لتولي الوزارة/ الحكم/ القيادة السياسية، فماذا كان مصيره بعدم 1952؟
"لكن الثورة قامت فجأة فتغير الحال: تم القبض على عبد العال باشا وتقديمه لمحكمة الثورة ولم تثبت عليه تهمة الفساد السياسي" ورغم ذلك "وإن ظل رهن الاعتقال فترة وانتزعت معظم أملاكه ليوزعها الإصلاح الزراعي على الفلاحين. ولم يلبث الباشا أن مات متأثرا بما جرى وتركت نكبة الأب وقعها على الابن فلم يلبث مكتبه الهندسي الذي افتتحه في عمارة يعقوبيان أن باء بالفشل وتحول مع الأيام إلى مكان يقضي فيه زكي بك وقت فراغه اليومي، حيث يقرأ الجرائد ويحتسي القهوة ويلقى أصدقاءه وعشيقاته"
فهكذا إذن كانت الثورة حادثا فاصلا ونقطة تحول مفصلية في حياة رجل كان يملك مقومات النجاح، فإذا به يصبح عاطلا ليس لديه سوى البحث عن العشيقات.
وإذا كانت الثورة قد أخذت من عبد العال باشا والمفترض أنها أعطت الفلاحين أو الآخرين فهل تحسن حالهم وظهر ما أخذوه؟ بمعنى إلاما وصل حال من يفترض أنهم استفادوا من الثورة، وكيف أصبح حالهم؟
يأتي في المقابل شخصية طه الشاذلي، ابن البواب المتفوق في دراسته، تصور أن مجموعه في الثانوية العامة يمكن أن يشفع له في دخول كلية الشرطة، غير أن وظيفة أبيه – كبواب – تقف حائلا دون ذلك، تنزرع المرارة في نفسه، وهو الذي كان يتغلب على ذلك الوضع الاجتماعي في تعامله مع سكان العمارة، ويلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وفيها، رغم قيام الثورة، ينقسم مجتمع الطلبة إلى طبقة (القشطة) واللبن (الرايب)، وبالطبع يجد نفسه مدفوعا نحو الأخيرة التي فيها يتعرف على مجموعة الطلبة الإسلاميين الذي يقوده إلى المعتقل، وفيه يفقد البقية الباقية من إيمانه بشيء في هذا البلد، حيث تتحطم نفسه، ويرى من صنوف التعذيب ما لم يكن يتوقعه لو وقع أسيرا في يد الإسرائيلين:
"لقد أذلوني يا مولانا.. أذلوني لدرجة أني أحسست أن كلاب الشوارع عندها كرامة أكثر مني.. تعرضت لأشياء لم أكن أتصور أن مسلما يفعلها أبدا...
حتى لو كانوا كفارا.. أوليس لديهم ذرة من رحمة؟! أليس لديهم أولاد وبنات وزوجات يحبونهم ويشفقون عليهم؟! لو أنني اعتقلت في إسرائيل لما فعل بي اليهود مثل ذلك.. بل لو كنت جاسوسا خائنا لديني وبلدي لما فعلوا بي ذلك"(ص232).
ثم
"أنا الآن ميت.. قتلوني في المعتقل.. عندما يعتدون على عرضك وهم يضحكون.. عندما يطلقون عليك اسم امرأة ويجبرونك على أن تجيب باسمك الجديد فتضطر إلى الإجابة من قسوة التعذيب.. كانوا يسمونني فوزية.. وكانوا كل يوم يضربونني حتى أقول أمامهم: أنا امرأة واسمي فوزية. تريدني أن أنسى كل ذلك وأعيش"(ص262).
وبالطبع لا يمكن أن يطالب أي إنسان ذلك الذي عاش هذه التجربة أن ينسى، وكيف له أن يعيش؟ وقد أصبح طه الشاذلي في عداد الموتى – معنويا – إلا أنه نذر نفسه ليكون في عداد الأموات فعليا، أصبح الانتقام من معذبيه هو هدف حياته، ترك كليته وانضم إلى صفوف الجماعات الإسلامية الانتحارية، ويصل إلى مراده، يصل إلى معذبيه، وبعد أن ينتقم من قائد تعذيبه.. يموت.. وكأنه قد أدى أمانته وحقق هدفه، فمات وارتاح.
ولم يكن طه الشاذلي هو الوحيد من الجانب الذي من المفترض أن أحواله تحسنت بما آل إليهم من ممتلكات عبد العال باشا وزكي بك، فهناك عبده – أيضا – فرد الأمن المركزي، النازح من الصعيد والذي استغل حاتم رشيد حاجته للمال وقدرته الجسدية في إشباع حاجته الجنسية اللوطية، والذي وصلت به الحال – أيضا – إلى القتل والمصير المحتوم من ورائه.
وكانت هناك أم بثينة، تلك التي من المفترض أن يكون عائد ما تم مصادرته من أملاك البشوات قد عاد إليها، إلا أن الفقر والحاجة جعلاها تغمض العين عما يحدث لابنتها في العمل ومن أصحاب الأعمال مدعية أن (البنت) تستطيع الحفاظ على عملها وعلى شرفها في نفس الآن.
فما الذي حدث إذن من الثورة مثلا فيما حدث للعمارة التي هي مصر في النهاية؟
تغيرات اجتماعية هائلة تلك التي حدثت:
".. وفوق سطح العمارة الفسيح خصصت حجرتان بمنافعهما لإقامة البواب وأسرته، وفي الناحية الأخرى من السطح تم بناء خمسين غرفة صغيرة بعدد شقق العمارة، لا تتجاوز مساحة الغرفة مترين، جدرانها وأبوابها جميعا من الحديد الصلب وتغلق بأقفال تسلم مفاتيحها لأصحاب الشقق. وكانت للغرف الحديدية أغراض متعددة آنذاك مثل تخزين المواد الغذائية ومبيت الكلاب... ولم تستخدم الغرف الحديدية قط في مبيت الخدم ربما لأن سكان العمارة في ذلك الوقت من الارستقراطيين والأجانب لم يتصوروا إمكانية نوم إنسان في غرفة ضيقة بهذا الشكل"
هذا ما كان. فكيف أصبح؟
".. وفي عام 1952 قامت الثورة فتغير كل شيء.. بدأت هجرة اليهود والأجانب خارج مصر وكانت كل شقة تخلو بهجرة أصحابها يستولي عليها أحد ضباط القوات المسلحة، أصحاب النفوذ في ذلك العهد، حتى جاءت الستينيات فصارت نصف شقق العمارة يسكنها ضباط من رتب مختلفة من أول ملازمين ونقباء حديثي الزواج وصولا إلى اللواءات الذين كانوا ينتقلون بأسرهم الكبيرة إلى العمارة... وقد بدأت زوجات الضباط في استعمال الغرف الحديدية بطريقة مختلفة فصارت لأول مرة أماكن مبيت للسفرجية والطباخين والشغالات الصغيرات المجلوبات من قراهن لخدمة أسر الضباط ...
ثم جاء الانفتاح في السبعينيات وبدأ الأثرياء في الخروج من وسط البلد إلى المهندسين ومدينة نصر وباع بعضهم شققهم في عمارة يعقوبيان وخصصها البعض الآخر كمكاتب وعيادات لأبنائهم حديثي التخرج أو قاموا بتأجيرها مفروشة للسياح العرب.. وكانت النتيجة أن انقطعت الصلة شيئا فشيئا بين الغرف الحديدية وشقق العمارة وتنازل السفرجية والخدم القدامى مقابل المال عن غرفهم الحديدية لسكان فقراء جدد قادمين من الأرياف أو يعملون في مكان ما وسط البلد..
وانتهي الأمر بنشأة مجتمع جديد فوق السطح مستقل تماما عن بقية العمارة.." (ص22،23،24).
وهكذا يمثل سطح عمارة يعقوبيان تلك التغيرات الاجتماعية المصرية على مدى نحو نصف قرن من الزمان. كان طبيعيا أن تفرز وجوها جديدة تحتل صدارة المجتمع وتصبح رموزه. يبرز من بينها أمثال كمال الفولي، المهندس الأول للانتخابات المزورة التي تفرز أمثال الحاج عزام، الذي استخدم الحصانة للتجارة في البودرة، واستخدم الحصانة في تحطيم حلم سعاد التي تمنت أن يكون لها ابن من زواج شرعي من الحاج عزام، فاختطفوها وأجروا لها عملية إجهاض إجبارية، وهي لا تستطيع فعل شيء، وكمال الفولي الذي استطاع أن يتعايش مع كل العصور، ويأكل على كل الموائد. كمال الفولي هو النتاج الحقيقي لتخريب الإنسان المصري الذي قاله زكي بك لبثينة مثلما سنرى لاحقا.
الواقع والمتخيل
عندما وصف (نجيب محفوظ) الرواية بأنها الفن الذي يُوَفِّق ما بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنينه الدائم إلى الخيال، كان ذلك بمثابة البلورة لخلاصة تجربة الأستاذ للأجيال، وأسطرة للفن بصفة عامة وللرواية بصفة خاصة.
فإذا ما تأملنا عمارة يعقوبيان من هذا المنظور، فسنجد بها من الحقائق والوقائع الكثير مثلما سبق وأوضحنا في وجود عدد من الشخصيات التي يشار إليها بوضوح مثل شخصية كمال الفولي وحاتم رشيد – حتى لو ادعى الكاتب نفسه غير ذلك - إلا أن الرواية تظل إلى جانب ذلك عمل أدبي، أي لابد للخيال أن يكون له دور فيه، فالنص الأدبي لا يكتسب صفته الأدبية إلا بالانتقال من الواقع إلى التخييل. وبقدر نجاحه في ذلك يكون نجاح العمل بصفة عامة. وإذا كنا قد أقررنا بنجاح العمل منذ البداية، فإن البحث عن أسباب النجاح هي البحث في قدرة الكاتب في تحويل الواقع، أو الحقائق إلى الخيال، حيث تظل الحقائق في النهاية مرتبطة بالواقع المعيش، واعتماد العمل كلية عليها يحيل العمل إلى عمل وقتي مرهون بالمعاصرين له، ولكن هل الأدب يكتب للمعاصرين، أو لمن يعرفون تلك الحقائق فقط؟ بالطبع الإجابة محسومة. فكيف استطاع علاء الأسواني إذن أن يحيل عمله إلى الأدبي؟
المقــــابلة
والمقابلة هي أحد أنواع الصراع الذي من شأنه خلق الدراماتيكية أو الدينامكية في العمل، وبدورها خلق الحركة وإحداث التشويق، وهو أحد عناصر الحبكة التي هي الفاعل الحي الذي يُحرِّك الأحداث ويطوّرها وينميها، إذن فهي أحد عناصر الخلق أو أحد عناصر التخييل في العمل.
أ : في الشخصية
فحين قدم الأسواني نموذج كمال الفولي كشخصية من الواقع لها تأثيرها السلبي، تمثل عنصرا فعالا من عناصر المجتمع الحالي، كان عليه أن ينشئ (من الخيال) شخصية أخرى تقابلها، قد تساويها في الفعل، لكنها تضادها في الأثر، هي شخصية زكي بك الدسوقي، إلا أنهما في النهاية يسيران معا بالرواية نحو ما تريد، وهو رسم صورة المجتمع الآن، والبحث عن جذوره التي وصلت به إلى ما هو عليه. وحيث أن زكي بك قد فقد القدرة على الفعل – وهو الذي كان مهيأ ليكون ذا شأن فاعل فيما لو لم تقم الثورة - فهو لا يملك غير الكلام، بينما كمال الفولي - أحد رموز السلطة الحالية - يملك الفعل. فحين يقول زكي بك لبثينة:
".. عبد الناصر أسوأ حاكم في تاريخ مصر كله.. ضيع البلد وجاب الهزيمة والفقر.. التخريب اللي عمله في الشخصية المصرية محتاج سنين طويلة لإصلاحه.. عبد الناصر علم المصريين الجبن والانتهازية والنفاق"(ص228).
فإن كمال الفولي يساوم على دخول المجلس ويتقاضى العمولات والرشاوي، الأمر الذي يسير جنبا إلى جنب مع كلمات زكي بك "التخريب اللي عمله في الشخصية المصرية" في تكثيف الشعور، والضغط على المشاعر لإحداث الأثر الفعال، ورسم الصورة المنشودة. ويظل كمال الفولي كذلك هو الشخصية الفاعلة بينما باقي الشخصيات مفعول بها، حتى تلك التي تمثل الواقع المعيش.
ب : في القول
وانبثاقا مما سبق يمكن تبين شكل آخر من المقابلة، تلك هي مقابلة القول، ولا نعني هنا بالقول مجرد اللفظ، إذ أن اللفظ ليس إلا الشكل الخارجي للشخصية، أو هو التعبير الخارجي الدال على الشخصية.
فحين نري مواجهة بين زكي بك وبثينة في مثل تلك المواجهة:
" - نفسك تسافري ..؟!
- طبعا ..
- تحبي تروحي فين ؟!
- أي حتة بعيدة عن المخروبة دي .!
- أنت بتكرهي مصر.. ؟!
- طبعا ..
- معقول ! حد يكره بلده ؟!
- أنا ما شفتش منها حاجة حلوة عشان أحبها .
- الواحد لازم يحب بلده زي أمه .. فيه حد يكره أمه ؟!..
- الكلام ده في الأغاني والأفلام .. يا زكي بك الناس تعبانة .
- الفقر ما يمنعش الوطنية.. زعماء مصر الوطنيين معظمهم كانوا فقراء
- الكلام دا على أيامكم.. دلوقت الناس طهقت على الآخر.." (ص192،193).
فمثل هذه المقابلة التي تعكس رؤية وتكوين كل من الشخصيتين المتقابلتين، تساعد كذلك في تحديد ملامح الفترتين المعني بهما الكاتب، وتصور كيف كانت الوطنية، وكيف كان الإحساس بها، وكيف أصبحت.
ولم يتوقف الكاتب عند مجرد تقديم المواجهة، وإلا كان ما يقدمه رؤيته هو صماء، خالية من الفن، لكنه يقدم – وبطريقة فنية تخييلية الدوافع الشخصية والاجتماعية التي أدت إلى استنطاق الشخصيات بهذه الآراء، وهو ما ساعد أيضا في خروج الأفراد في الرواية من مجرد كونهم أفراد إلى أن يصبحوا شخصيات لها دورها في العمل، ولها مصداقيتها التي تساعد في الإقناع الفني، وبالتالي في الإقناع بالعمل ونجاحه، إذا ما كانت بثينة لتكون رؤيتها – كأحد أبناء الجيل الحالي – اللامنتمي – لو لم تمر بما مرت به من معاناة مع أصحاب الأعمال، ولو لم يحدث لخطيبها السابق طه الشاذلي ما حدث له من رفض تحقيق أمنيته في الالتحاق بكلية الشرطة لمجرد أنه ابن بواب، وما تم من تحول في شخصيته ورؤاه من جراء ذلك. وما كان لزكي بك نفسه أن تكون تلك رؤاه لو لم ينشأ في مجتمع ما قبل 1952 وما يعنيه ذلك في الكثير من الرؤي والتكوينات المختلفة، وما يؤكده العنصر التالي من عناصر المقابلة.
ج : في الموقف
فزكي بك – أيضا – عندما تنجح أخته في اصطحاب الشرطة لمداهمة مكتبه لتضبطه متلبسا مع بثينة، يشعر – كأحد أصحاب القيم والبيوتات – بالمسئولية تجاهها، فيتم الزواج، رغم فارق السن والوضع الاجتماعي والطبقي وكل الاختلافات. بينما نجد الحاج عزام، رغم زواجه الشرعي من سعاد ورغم ما قدمته له من متع وتحملت من أجله، عندما تحمل منه، ويفشل في اقناعها في إسقاط الحمل، يلجأ إلى الأساليب البربرية في اختطافها وإسقاطها رغما عنها.
وقد نجح الأسواني بتخيل تلك المقابلات المتعددة الأشكال في رسم صور المجتمع المصري فيما قبل وما بعد يوليو 1952.
الصدق الفني
طبيعة الأشياء ألا يوجد شر كامل أو خير كامل، وقد أدرك الأسواني ذلك، فغلب الصدق الفني على الرؤية الأيديولوجية.
فإذا كان زكي بك على الصورة التي سبق إيضاحها، إلا أن طبيعة الأشياء فرضت عليه أن يضيف حين وصفها:
".. على أن الإخفاق الذي لقيه المهندس زكي الدسوقي في حياته العملية لا يرجع فقط إلى قيام الثورة، وإنما يرجع في الأساس إلى فتور همته وتهافته على اللذة"
ولم يقتصر الأمر بهذه الإضافة فقط على إحدى الشخصيات الرئيسية في العمل، بل امتد الأمر إلى الفترة التي كانت بيضاء حتى هذه اللحظة، ولكن ولطبيعة الأشياء أيضا لم يشأ الأسواني أن يجعل الأبيض أبيض مطلقا، ولا الأسود أسود مطلقا، فخلق شخصية حاتم رشيد التي تجمع ما بين الواقعي والمتخيل. ولتنضم إلى سلسلة تفاعلات الشخصيات في الرواية، رغم ما قد يبدو على السطح من انعزالها عن بقية مجموعة الشخصيات، الأمر الذي حدا بالبعض نعت العمل بانفصال الترابطات بينها، الأمر الذي نراه غير صحيح – رغم شبهة تسليم الكاتب نفسه بذلك في أحد الحوارات (أهرام الخميس 27/7/2006)، حين صرح بأن الرابط أو البطل في الرواية هو المكان – وهو ما نتختلف عليه أيضا، إذ المكان ليس فاعلا في أحداث الرواية، وكان من الممكن أن تجتمع مثل هذه الشخصيات في أي مكان آخر – مثلما حدث في بنسيون ميرامار أو عوامة نجيب محفوظ التي كانوا يثرثرون بها فوق النيل، وما كان لشيء أن يتغير، أما لو لم يكن الثالث والعشرون من يوليو 1952 وما جرى فيه، لتغيرت أشياء كثيرة، وما كان لعمارة الأسواني أن تكون.
ونعود إلى طبيعة الأشياء وما اعتور الفترات الزمنية المحددة، حيث نجد الأسواني لم يشأ أن يقول أن كل ما كان قبل 23 يوليو 1952، كان كله خير، فقدم لنا شخصية حاتم رشيد، والذي يعود بجذوره إلى ما قبل هذا التاريخ:
".. فالأستاذ حاتم رشيد صحفي معروف ورئيس تحرير جريدة لوكير التي تصدر باللغة الفرنسية في القاهرة وهو ارستقراطي عريق والدته فرنسية ووالده الدكتور حسن رشيد القانوني الشهير وعميد كلية الحقوق في الخمسينيات"
إذن فحاتم رشيد منسلخ من مجتمع ما قبل 52، وهو ابن المجتمع المختلط الذي كانه، أمه فرنسية وأبوه مصري، فكان أن جاء "كوديانا" وكأن الأسواني أراد أن يقول أن عدم تحديد الهوية في الأصل أدى إلى عدم تحديد الجنسية، والجنس كذلك، غير أن الكاتب احتفظ له ببعض السمات التي تبقي على تميز مجتمع ما قبل 52 كذلك حيث:
".. كان الحاضرون قد سكروا وعلا صياحهم وغناؤهم لكنهم ما أن دخل حاتم حتى هدأ ضجيجهم وأخذوا يتأملونه بفضول وشيء من الرهبة، كانوا يعرفون أنه "كويانا" لكن حاجزا صارما طبيعيا كان يمنعهم من رفع الكلفة معه حتى أن أكثر الرواد وقاحة ومجونا لم يكن يملك إلا معاملته باحترام والأسباب كثيرة"(ص55). أي أنه رغم ما هو عليه حاتم، إلا أن أمرء مهما كان لا يستطيع إلا احترامه. فحتى أسوأ الأمثلة االممثلة لذلك العهد، تظل لها ما يفضل أحسن النماذج في العهد الجديد. وليظل – كذلك – الترابط قائما بين شخصيات وشخوص الرواية.
الخلية والحياة
كما الخلية تتكون من مجموعة من الخلايا الأولية التي تشكل في مجموعها الكائن الحي، نستطيع تحديد أربع مجموعات، أو أربع دوائر تشكل كل منها خلية تتفاعل فيما بينها لتكون الرواية في حالة الحركة الدائمة.
1 – تضم الدائرة الأولى كل من زكي بك، اخته دولت، أبسخرون، ملاك خله وأخوه، وهم مجموعة ما قبل عام 52، وامتداداتهم فيما بعدها
2 – وتضم المجموعة الثانية طه الشاذلي وبثينة والجماعة الإسلامية، وسعاد، وعبده والذين يمثلون الطبقة الكادحة التي تاجر العسكر بها، لكنها لم تغتني كما وعدوهم فكانت نهبا للجميع، ومحط سهام الدوائر الأخرى.
3 – المجموعة الثالثة تتكون من كمال الفولي، الحاج عزام، والحاج أبو حميدة، وهم مجموعة المتسلقين المستفيدين من الحكم الجديد فيما بعد 52
4 – المجموعة الرابعة ويمثلها حاتم رشيد ومجموعة الشواذ والذين يمثلون التداخل بين الأجناس والأنواع.
فإذا ما نظرنا إلى المجموعات الأربع، وجدنا التفاعل بينها دائم بشكل أو بآخر، خاصة تلك المجموعة الثانية التي تعتبر القاسم المشترك الذي يغذي التفاعل بين المجموعات.
فنجد من المجموعة الثانية، بثينة التي تتفاعل مع زكي بك من المجموعة الأولى، ويظل الجدل بينهما حتى يتم التزاوج الكامل، في شبه انتحار من جانبها بعد الوصول لليأس الكامل وفقدان الأمل في خطيبها السابق طه الشاذلي.
ومن المجموعة الثانية أيضا يبرز عبده، ليمتد الجدل قائما بينه وبين حاتم رشيد من المجموعة الرابعة، ويتم التلاحم بينهما، بين شد وجذب حتى يصل ذروته في صراع الموت والبقاء.
ومن المجموعة الثانية أيضا تبرز سعاد التي يتم التفاعل بينها وبين الحاج عزام، ويستمر في جدل مستمر بين كر وفر إلى أن ينتهي بوأد الحلم عند سعاد ويتحطم أملها وتنتهي بمأساة.
ومن المجموعة الثانية ينشأ التفاعل بين طه الشاذلي مع المجموعة الإسلامية، مع كل إفرازات المجموعة الثالثة، مجموعة رموز إفرازات المجموعة وما أدت إليه من فساد وإفساد دفعته إلى ما يشبه الانتحار.
وهكذا نستطيع الوصول إلى أن المجموعة الثانية بما تمثله من أفراد هم الضحية التي ادعت الثورة أنها جاءت من أجلهم، لكن مصيرهم مع كل الرموز لم يكن يحمل من التفاؤل ما يمكن أن يغير شكل رواية يعقوبيان التي وصمها الكثيرون بالتشاؤم، وما كان لها أن تكون غير ذلك.