 | | |
 |
|  |
|
مدخل في تعريف السلطة ومفهومها ... د. محمد عبد الرحمن يونس* |
أفق : السبت 01 يونيو 2002 |
|
قيل لأحد النبلاء : " لماذا لا تبني لك داراً ؟ فقال ما أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر . " (1) .
وتأسيساً على هذه الرؤية يُمكن أن يُفهَم الواقع المزري لنبلاء وشرفاء بني البشر ، وعبر التاريخ الإنساني ، في علاقاتهم مع سلطات بلدانهم التي تعمل فيهم تنكيلاً وتشريداً قسرياً وقد عُرِف عن السلطة ، ومن خلال تاريخها الطويل ، احتقارها لمواطنيها ، وتسخيرهم لخدمة مصالحها الشخصيّة ؛ إذ رفع الحكام سيف البغي على رقاب شعوبهم ، وعاثوا فيهم فساداً وتخريباً وتسلّطاً وإرهاباً ، وحكموا بلدانهم حكماً دكتاتوريّاً فرديّاً ، واعتبروا أنفسهم أوصياء وأسياداً ، وأصحاب سلطة مطلقة على شعوبهم .
ويروى أنّ ملك فرنسا لويس الخامس عشر وقف في الثالث من آذار (مارس) 1716م أمام برلمان باريس قائلاً (2) " في شخصي وحده تجتمع السلطة ، ولي وحدي تعود السلطة التشريعيّة دون منازع أو حسيب . النظام العام بمجمله ، يستمدّ وجوده من وجودي ، وأنا حاميه الأول . شعبي وأنا واحد . حقوق ومصالح الأمّة ، التي يجرؤون على جعلها جسماً منفصلاً عن الملك، هي ، بالضرورة ، متّحدة بحقوقي ومصالحي أنا ، ولا ترتاح إلاّ بين يدي ."
وعندما يتحدّث الملك لويس الخامس عشر ، معظّماً نفسه بكلّ هذه الفردية ، والسطوة المطلقة ، فإنّه لا يختلف كثيراً عن أيّ خليفة أمويّ أو عبّاسيّ ، أو طاغية معاصر ؛ لأنّ الحاكم الجائر يظنّ نفسه أنّه الإله المتوّج بالمنعة والسطوة ، وما على بني البشر إلاّ طاعته ، وطاعة أولاده ونسائه وجواريه وأفراد قبيلته . ومن هنا فإنّ السطوة المطلقة التي يمارسها الحاكم المستبدّ على أفراد شعبه ، وقدرته السحريّة الماكرة على تطويع الناس لأن يكونوا خدماً أذلاّء تابعين له ، منقادين لأوامره انقياداً مطلقاً ، جعلت كثيراً من الناس في العصور القديمة يتصورون أنه لا بدّ أن يكون الحاكم من طبيعة غير طبيعة البشر ، فهو من طبيعة إلهيّة ، وهو إله أو ابن الإله . وهو يحكم بتفويض مباشر أو غير مباشر من الله (3) .
وحتّى تستطيع السلطة السياسيّة الجائرة أن تقود الناس قطيعاً وراءها ، لا بدّ من أن تحصّن نفسها بمجموعة من القادة الاستبداديين ، الذين يعزّزون خطاباتها الفكرية وخططها السياسيّة والعسكريّة ، إذ يساعدها هذا التعزيز على أن تصبح مطلقة شاملة في كلّ البنيات الإنسانيّة العامّة : السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة . وبسيف هؤلاء القادة الاستبداديين تتوّج نفسها تاجاً مقدّساً فوق رؤوس العباد ؛ وبالتالي تمارس عليهم قهراً ، وتصنع منهم أزلاماً وخدماً ، وتضعفهم وتفتتهم طوائف وقبائل ، وتشكّل فيما بينهم تبايناً طبقيّاً حادّاً ، يقسمهم فئتين : " فئة حاكمة تتولى السلطة السياسيّة وتصدر القرارات والأوامر ، وفئة أخرى محكومة لا يكون لها إلاّ الطاعة والتنفيذ . ونظراً إلى ما للسلطة السياسيّة في الدولة من صفات ذاتيّة خاصّة فقد أطلق عليها الفقه الفرنسي اسم " السيادة " وصفة السيادة مقتضاها أنّ سلطة الدولة سلطة عليا لا يسود عليها شيء ولا تخضع لأحد ، ولكن تسمو فوق الجميع ، وتفرض نفسها على الجميع " (4) .
وحتّى تستطيع السلطة الاستبداديّة أن تسمو فوق الجميع ، عليها أن تعمل ـ وبكلّ جهودها المدروسة والمنظّمة ـ على إبقاء شعوبها جاهلة ، لأنّها ترى في الجهل واحداً من الشروط الأساسيّة التي تمثّل قوتها ، وتعزز في هذه الشعوب فكرة قبول التقاليد الدينيّة ، بحذافيرها ودون نقاش . وليس غريباً أن تتقيّد هذه الشعوب بالتقاليد الدينيّة ، لأنّها شعوب مسحوقة بعملها اليوميّ ومحرومة من الترفيه ومن النشاط الفكري . إذ يجد المواطن نفسه ومنذ الصغر ، وفي مختلف ظروف حياته ، محاطاً بهذه التقاليد التي يزرعها في أعماقه جمع من المسمّين الرسميّين من كلّ الأصناف الكهنوتيّة ، بحيث تصبح هذه التقاليد ضرباً من العادات الذهنيّة والأخلاقيّة الأقوى في معظم الأحيان من عقله السليم الطبيعي (5) .
إذا كان من المعروف أنّه يكمن وراء انتشار السلطات الاستبداديّة في كل أنحاء العالم ، أمراض محليّة متشابهة ، تظهر في أمكنة متعددّة متباعدة ، وتختلف نسبة تأثيرها ، فإنّ هذا التباعد في المكان الذي تظهر فيه الأنظمة الاستبداديّة ، وهذا الاختلاف في النموذج والشكل ، تبعاً لاختلاف الزمان والمكان ، لا يمنع من كون هذه الأنظمة جميعها متّصلة مترابطة . ففي عالم أصبح من المستحيل فيه على بلد أن يحيا منعزلاً ، ومكتفياً بذاته ، لا مجال للنكران بأنّ ظهور نظام استبداديّ في مكان ما يؤدّي إلى ظهوره في مكان آخر عن طريق العدوى (6) ، وتبادل التأثير ، والعلاقات التجاريّة والاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة بين المكانيين . وإذا كان للسلطة كل هذه القدرات الوبائيّة التدميريّة المتأصّلة ، فما هو تعريفها ؟.
تشير الموسوعة الفلسفيّة إلى أنّ السلطة (Autorité,Authority) ، " مفهوم (…) يشير إلى النفوذ المعترف به كليّاً لفرد أو نسق من وجهات النظر أو لتنظيم مستمدّ من خصائص معيّنة أو خدمات معيّنة مؤدّاة . وقد تكون السلطة سياسيّة أو أخلاقيّة أو علميّة . " (7) وينضوي تحت هذا المفهوم عدة أنواع من السلطات :
1 ـ السلطة النفسيّة : وهي ما يطلق عليها اسم السلطان الشخصي ، والتي تتمثّل في قدرة الإنسان على فرض إرادته على الآخرين ، نظراً لقوّة شخصيته وشجاعته ، وقدراته العقليّة المتفوّقة .
2 ـ السلطة الشرعيّة : وهي السلطة المُعترف بها في القانون ، كسلطة الحاكم والوالد والقائد .
3 ـ السلطة الدينيّة : وهي مستمَدّة من الوحي الذي أنزله الله على أنبيائه ، ومن سنن الرسل ، وقرارات المجامع الدينيّة المقدّسة ، واجتهادات الأئمة .
4 ـ سلطة الأجهزة الاجتماعيّة التي تمارس السلطة ، كالسلطة السياسيّة ، والتربويّة ، والسلطة القضائيّة وغيرها (8) .
ويعرّف جان وليام لابيار السلطة قائلاً (9) : " السلطة هي الوظيفة الاجتماعيّة التي تقوم على سنّ القوانين ، وحفظها ، وتطبيقها ، ومعاقبة من يخالفها ، وهي التي تعمل على تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة : إنّها الوظيفة التي لا غنى عنها لوجود الجماعة ذاته ، لاستمرارها ، ولمتابعة نشاطها . من هنا بالذات ، إنّها تلك الوظيفة القائمة على اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة . فـ (…) التنظيم ، والتقرير ، والحكم ، والعقاب ، هي المهامّ التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت " . على أنّ هذه الوظيفة الاجتماعيّة عندما تنحرف عن مسارها الأخلاقيّ وتكرّس نفسها لخدمة فئة من أصحاب النفوذ ، فإنّها تصبح المنتهِكة الأولى للقوانين ، والمتجاوزة والمحرِّفة لها ، بحيث تصبح هذه القوانين أداة طيّعة تخدم مصالح أصحاب النفوذ ، وتضرّ بمصالح الآخرين من الطبقات الأخرى ، وتستعبدهم في آن . وهنا تنفصل السلطة عن الشعب ، " وتدافع عن مصالح المستغلّين ـ بكسر الغين ـ وهم الأقليّة في المجتمع . ويمارسها الأشخاص الذين يصبح الحكم بالنسبة إليهم مهنة (الموظفون والجيش والبوليس.. الخ) . [أمّا] المؤسسات الرئيسيّة الهامّة الملحقة بالسلطة العامّة [ف] هي المحاكم والسجون وغيرها من المؤسسات العقابيّة . " (10) .
وفي ظلّ سيادة أقليّة من الناس يسود الاستغلال والاستعباد ، وتتحوّل الشرائح الاجتماعيّة العريضة إلى مجموعة من العبيد المنتجين ، الذين يقدّمون طاقاتهم الإنتاجيّة إلى فئة الأقليّة ، ومن هنا فإنّ الدولة التي تكون على رأسها سلطة مستبدّة طاغية ، ستكون دائماً " تحت تصرف تلك الطبقة من المجتمع التي لها سند قانوني في ملكية أدوات الإنتاج . وما تصدره الدولة من قوانين ، إنّما تصدره لصالح هذه الطبقة ، كما أنّ حقّ الملكيّة الذي تحافظ عليه ليس إلاّ حقّ تلك الطبقة في ملكيتها ومن ثمّ فإذا كان عدد الذين يملكون ، في دولة من الدول ، ضئيلاً فإنّ القانون سوف يتحيّز لصالح هذه القلّة . وإذا كانت الجماعة بأكملها هي التي تملك، فسوف يتحيّز القانون لصالح الجماعة كلّها ضدّ المصلحة الخاصّة لبعض الأفراد (11) . على أنّ السلطة الاستبداديّة ، ومن خلال ممارساتها وأدوارها التاريخيّة ، لا تفكر مطلقاً في أن يكون المجموع الإنسانيّ الذي تحكمه مالكاً ، لأنّ امتلاك هذا المجموع سيدفعه إلى أن يتحرر اقتصاديّاً وبالتالي يدفعه إلى التمرّد وكسر عصا الطاعة المفروضة عليه ، وهذا لا تريده السلطة الاستبداديّة ، لأنّ التحرر الاقتصادي للمجموع الإنسانيّ مقدّمة للتحرر السياسي والإنساني . وقديماً قال فقهاء السلطة الاستبداديّة : " جوّع كلبك يتبعك " (12) ، فالدولة المستبدّة والمستغِلّة تطمح دائماً إلى التعالي على أفراد شعبها ، " وإلى الانفصال عن المجتمع، وإلى وضع نفسها فوقه . وهي تنجح في ذلك بقدر ما يكون تعبيرها عن مصالح الطبقة [المستغِلّة] السائدة اقتصادياً . " (13) .
إنّ الحكّام الطغاة ، ومنذ أقدم العصور، اعتقدوا أنّ سعادتهم يمكن أن تتحقق بوسائل تستلزم فرض البؤس على الآخرين (14) . ومن أهمّ مقوّمات هذه السعادة عند هؤلاء الطغاة ، جعل الآخرين عبيداً لهم ، واستغلالهم ، وإذلالهم ، والسطو على ممتلكاتهم واغتصاب نسائهم ، وحبك المؤامرة ضدّهم تمهيداً لقتلهم . وبهذا الصدد يروي الكتاب المقدّس ـ كتاب العهد القديم ـ قصة الملك داود الذي أُعجِب بزوجة أحد جنوده ، بَشْشَبَعَ بنت أليعام ، الجميلة جداً ، فأرسل رسلاً ، وأحضروها له، ثمّ اغتصبها ، وعندما أعلمته المرأة بحملها منه ، سرعان ما دبّر مكيدة لزوجها الجندي أوريا الحثيّ ، وذلك بأن أمر قائد جيشه يوآبَ بأن يجعل الجنديّ أوريا الحثيّ في وجه الحرب الشديدة . وامتثل القائد لأمر الملك ، وقُتِل الجندي أوريا ، وضمّ الملك داود زوجته الجميلة بَشْشَبَع بنت أليعام إلى حظيرة ممتلكاته ونسائه (15) .
ونظراً لفعل السلطة الاستبداديّة ، التخريبيّ ، وتشويهها لمجل العلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة ، فقد اشترط الفلاسفة والفقهاء ـ ودرءاً لجور الحكّام والخلفاء وفسادهم ـ مجموعة من الشروط التي يجب أن تتوافر في الحاكم أو الخليفة ، حتّى يستطيع أن يكون كفؤاً للمنصب السلطويّ الخطير الذي يتقلّده . فالفلاسفة السياسيّون رأوا ضرورة أن يكون الحاكم ذكيّاً وحكيماً وفاضلاً خلوقاً ، واتّفقوا على أنّ المرء لا يمكن أن يمتلك فضيلة الذكاء الحقيقيّة دون أن يكون في الواقع حكيماً ، ولا يمكن أن يكون حكيماً دون أن يكون فاضلاً خلوقاً ، وعلى معرفة بالفنون التطبيقيّة ، ولا يمكنه أن يكون حكيماً إلاّ إذا اتصف بكلّ صفات الحاكم الفاضل ونزعاته . ومن هنا فإنّ مثل هذا الشخص يجب أن يحكم إخوته البشر من أجل مساعدتهم وذلك بالحثّ والإقناع إن أمكن ، أو بالإكراه والإلزام إن لم يكن ذلك ممكناً . ومن مهمّته أيضاً أن ينمي الفضائل الإنسانيّة لديهم في حدود إمكانهم (16) .
أمّا فقهاء المعتزلة فقد اعتبروا أنّه يجب أن تتوافر في الإمام مجموعة من الشروط ، باعتباره حاكماً أعلى في الدولة ، وهذه الشروط هي :
1 ـ العدالة على شروطها الجامعة .
2 ـ العلم المؤدّي إلى الاجتهاد في الأمور المتجددة والأحكام .
3 ـ سلامة الحواسّ ، من السمع والبصر واللسان .
4 ـ سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض .
5 ـ الرأي المفضي إلى سياسة الرعيّة وتدبير المصالح .
6 ـ الشجاعة والنجدة ، وحماية الأمّة ، وجهاد العدو .
7 ـ النسب .. أي أن يكون من قريش . ومن المعتزلة من لا يشترط النسب القرشيّ ، ومنهم من يشترطه لأسباب سياسيّة تضمن وحدة الأمّة (17) .
ويحدد ابن طباطبا (18) أهمّ خصال الحاكم الفاضل القادر على قيادة الأمّة ، ورعاية حقوق أفرادها . وهذه الخصال هي :
1 ـ العقل : وهو أصل هذه الخصال وأفضلها ، وبه تُساس الدول والمِلل .
2 ـ العدل : وهو الذي تزداد به الأموال ، وتعمر به الأعمال ، وتُستصلح به الرجال .
3 ـ العلم : وهو ثمرة العقل وبه يستبصر الملك ، ويأمن الزلل في قضاياه وأحكامه ، وبه يتزيّن الملك في عيون العامّة والخاصّة ، ويصير به معدوداً في خواصّ الملوك .
4 ـ الخوف من الله : وهذه الخصلة هي أصل كلّ بركة ، فالملك متى خاف من الله أمِنَه عباد الله .
5 ـ العفو عن الذنوب وحسن الصفح عن الهفوات : وهذه أكبر خصال الخير ، وبها تُستمال القلوب ، وتصلح النيّات .
6 ـ الكرم : وهو الأصل في استمالة القلوب وتحصيل النصائح من العالم ، واستخدام الأشراف .
7 ـ الهيبة : وبها يُحفظ نظام المملكة ويُحرس من أطماع الرعيّة .
8 ـ السياسة والوفاء بالعهد : والسياسة هي رأس مال الملك ، وعليها التعويل في حقن الدماء وحفظ الأموال ومنع الشرور وقمع الدُعّار والمفسدين . والوفاء بالعهد يساهم في طمأنينة النفوس ، ووثوق الرعيّة بالملك إذا طلب الأمان منه خائف، أو أراد المعاهدة منه مُعاهِد .
9 ـ الاطلاع على غوامض أحوال المملكة ن ودقائق أمور الرعيّة ، ومجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته .
تشير الأدبيّات التاريخيّة والفقهيّة الإسلاميّة إلى أنّ المسلمين ـ باختلاف فرقهم الإسلاميّة ـ لم يتفقوا على شروط واحدة تتوافر في الشخص حتّى تؤهله لأن يكون خليفةً أو حاكماً للمسلمين يرعى مصالحهم ، ويدافع عن أوطانهم ، ويقيم العدل ، إلاّ أنّهم اتّفقوا جميعاً على أن يكون متصفاً بالعدل والورع والعلم (19) حتّى لا يُصاب المسلمون منه بالأذى وحتى يكون قادراً على أن يعفّ عن أموالهم وممتلكاتهم ، وأعراضهم ، إلاّ أنّه من المستغرب حقّاً أنّ بعض الفقهاء يجيزون أن يكون الإمام فاجراً ، ويعللون ذلك ، بأنّ من ينتصر بالسيف والقوة وجبت على المسلمين والرعيّة طاعته . ويُروى عن الإمام أحمد بن حنبل (20) أنّه قال (21) : " ومن غلب بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين لا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه ، برّاً كان أو فاجراً ، فهو أمير المؤمنين " . وبقدر ما يشير رأي الإمام أحمد بن حنبل إلى الابتعاد عن تعاليم الإسلام ، ومفاهيم الرسول الكريم (ص) وصحابته الأوائل ، فإنّ هذا الرأي على درجة عالية من احتقار عقول المسلمين ، وطموحهم إلى إقامة العدل ، والعمل بما جاء به كتاب الله وسنّة نبيّه ، وهو دعوة إلى إلغاء طاقة العقل الإسلاميّ لأن يكون بنّاءً ومساهماً في بناء الحضارة الإنسانيّة ، ومجدداً في روح النصوص الفقهيّة . وبهذا الصدد تشير الأحاديث النبويّة إلى أنّ النبيّ محمد (ص) كان يدعو إلى معارضة الحاكم الجائر ، وعدم طاعته . ويُروى عنه أنّه قال : " أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر و " من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم فقد خرج من الإسلام " (22) و " إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشك أن يعمّهم الله بعقابه " (23) .
وكان بعض أئمة المسلمين من يرى ضرورة الثورة على السلطان الظالم استناداً إلى الحديث النبويّ القائل : " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (24) . على أن بعضهم الآخر رأى أنّ السلطان الكافر العادل خير لرعيّته من السلطان المسلم الجائر ، ويروي ابن طباطبا (25) الخبر الآتي " لمّا فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ستّ وخمسين وستمائة أمر أن يُستفتى العلماء أيّما أفضل : السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ ثمّ جمع العلماء بالمستنصريّة لذلك ، فلمّا وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب ، وكان رضيّ الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس ، وكان مقدّماً محترماً ، فلمّا رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطّه فيها بتفضيل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده " . وهنا لا يهمّ هذه الدراسة أن تناقش رأي الإمام أحمد بن حنبل ، ومدى صحته ، لكن ما يهمّها منه هو : إلى أيّ مدى ساهم الفقهاء في الدولة الإسلاميّة في مناصرة الخلفاء والحكّام على جورهم وفجورهم ؟ وإلى أيّ مدى اعتبر بعض الخلفاء والحكّام في الدولة الإسلاميّة هذا الرأي مبرراً ينطلقون منه لتأسيس سلطة خلافتهم على الاستبداد والقهر ، واعتبار كلّ من يخالفهم الرأي متمرّداً عليهم ، وخارجاً على طاعتهم ، وبالتالي خارجاً على رأي الأمّة .
إذا كان معظم الفقهاء والمؤرخين اتفقوا جميعاً على أنّه يجب أن تتوافر في الحاكم ، سواء أكان خليفة أم ملكاً ، أم غير ذلك ، صفات العدل والورع والعلم ، هذه الصفات التي تجعل من يتحلّى بها قادراً على قيادة الأمّة وسياستها ، وجعل مواطنيها ينعمون بالسلام والأمان ، وفي منأى عن الدكتاتوريّة والاستبداد ، فإنّ الحكّام وعبر تاريخهم الطويل ـ ومنهم بطبيعة الحال معظم حكّام الدولتين الأمويّة والعباسيّة ـ كانوا مستبدّين ، فقد أحدثوا في مجتمعاتهم شروخاً طبقيّة واسعة ، وسلّموا مقاليد دولهم لمجموعة من الطغاة العسكريين والولاة الظلمة ، وامتلكوا الثروات الكثيرة ، والقصور الفاخرة المترعة باللذائذ ، وما أقاموا عدلاً في توزيع ثروات البلاد . بل غدت مدنهم مليئة بالفقراء والجياع ، و" خير ما يُستدلّ به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في [بناء] وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات وعلائم الأبّهة ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل " (26) . يُضاف إلى ذلك أنّ الكثير من هؤلاء الحكّام كانوا فسقة وجهلة ، وغابت عن حياتهم مظاهر الورع والعفّة والاهتمامات العلميّة والمعرفيّة ، وطغى عليها التهالك على امتلاك النساء والجواري ، والانهماك بالملذّات من طعام وشراب ، وطرب وموسيقى .
الهوامش :
* محمد عبد الرحمن يونس : جامعة الدراسات الأجنبيّة في بكين / الصين
(1) - عن/ الكواكبي، عبد الرحمن: طبائع الاستبداد، درا الشرق العربي، بيروت/حلب، الطبعة الثالثة 1411هـ/1991م، ص 57.
(2) - عن/لابيار، جان وليام: السلطة السياسيّة، ترجمة إلياس حنّا إلياس، منشورات عويدات، باريس/بيروت، الطبعة الثالثة 1983م، ص 142.
(3) – عن/إمام، د. إمام عبد الفتّاح: الطاغية ـ دراسة فلسفيّة لصور من الاستبداد السياسيّ، المجلس الوطني للثقافة و الآداب، الكويت، "سلسلة عالم المعرفة"، العدد 183، رمضان 1414هـ/آذار (مارس)، 1994م، ص 9.
(4) - عن/إمام، د.إمام عبد الفتاح: الطاغية ـ دراسة فلسفيّة لصور من الاستبداد السياسي، ص 17.
- و اخذ إمام عن المرجعين الآتين:
- ناصيف، د. عبد الله إبراهيم: السلطة السياسيّة/ضرورتها و طبيعتها، دار النهضة العربيّة، القاهرة، طبعة 1983م، ص 4.
- بدوي، د. ثروت: النظم السياسيّة، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1986م، ص 40.
(5) – باكونين، ميخائيل: الإله و الدولة، تعريب جلال المخ، دار المعارف، سوسة/تونس، طبعة 1982م، ص 22.
(6) ـ دوفرجيه، موريس: في الدكتاتوريّة، ترجمة د. هشام متولي، منشورات عويدات، باريس/بيروت، الطبعة الثانية، تشرين أول، 1977م، ص 39.
(7) – لجنة من العلماء و الأكّاديميين السوفياتيين: الموسوعة الفلسفيّة،بإشراف: م. روزنتال؛ ب. يودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة السادسة،تشرين الأول1987م،دون محقق، دار صادر، بيروت، دون تاريخ، ص 248 ـ 249.
(8) – صليبا، د. جميل: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني/مكتبة المدرسة، بيروت، طبعة 1982م، الجزء الأوّل، ص 670.
(9) – السلطة السياسيّة، ص 49.
(10) – لجنة من العلماء و الأكاديميين السوفياتيين، ص 249.
(11) – لاسكي، هارولد: الدولة في النظرية و التطبيق، ترجمة كامل زهيري و أحمد غنيم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية، تشرين الثاني 1963م، ص 270.
(12) - عن/الجرّ، د. خليل: المعجم العربي الحديث ـ لاروس، مكتبة لاروس، باريس، الطبعة الأولى 1973م، قسم الأمثال العربيّة، ص 1311.
(13) – أوليدوف، أ. ك: الوعي الاجتماعيّ، ترجمة ميشيل كيلو، دار ابن خلدون، بيروت، الطبعة الثانية 1982م، ص 162.
(14) – راسل، برتراند: السلطة و الفرد، ترجمة د. لطيفة عاشور، الهيئة المصرية العامّة للكتاب، القاهرة الطبعة الأولى 1994م، ص 106.
(15) – لمزيد من الاطلاع على تفاصيل هذه القصة ينُظر: الكتاب المقدّس ـ كتاب العهد القديم ـ، سفر صموئيل، الأصحاح الحادي عشر.
(16) – باتروورث، شارلز: الدولة و السلطة في الفكر السياسيّ العربي، ترجمة د. محمد أحمد شومان، دار الساقي، بيروت/لندن، الطبعة الأولى 1990م، ص 13 ـ 14.
(17) – عن/عمارة، د. محمد: نظرية الخلافة، دار المعارف للطباعة و النشر، سوسة/تونس، طبعة 1994م، ص53.
- و أخذ عمارة عن/الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البغدادي (ت450هـ/1058م): الأحكام السلطانيّة، طبعة القاهرة، 1960م، ص 6.
(18) – الفخري في الآداب السلطانيّة و الدول الإسلاميّة،دون محقق، دار صادر، بيروت،دون تاريخ، ص 17، 18، 19، 20، 23، 24.
(19) – لمزيد من الاطلاع على التباين في صفات الخليفة أو الحاكم عند الفرق الإسلاميّة يُنظر: عمارة، د. محمد: نظرية الخلافة، من ص 53 إلى ص 56.
(20) – الإمام أحمد بن حنبل: (أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله، الشيباني الوائليّ، 164 ـ 241هـ/780 ـ 855م): إمام المذهب الحنبليّ، و أحد الأئمّة الأربعة. أصله من مرو، و كان أبوه والي سرخس. و ولِد ببغداد. فنشأ منكبّاً على طلب العلم و سافر في سبيله أسفاراً عديدة إلى الكوفة و البصرة و مكة و المدينة و اليمن و الشام و المغرب و الجزائر و فارس و خرسان. سجنه الخليفة العباسيّ محمد المعتصم ثمانية و عشرين شهراً، و لمّا تولّى المتوكّل بن المعتصم الخلافة أكرم الإمام ابن حنبل و قدّمه و مكث مدّة لا يولّي أحداً إلاّ بمشورته، و توفي في عهد المتوكّل.
- الزركليّ، خير الدين: الأعلام،دار العلم للملايين،الطبعة الثانية عشرة، شباط( فبراير)، 1997م، 1/203.
(21) – عن/عمارة، د. محمد: نظرية الخلافة، ص 54.
(22) – عن/العلويّ، هادي: السياسة الإسلاميّة،دار صحارى ، بودابست،الطبعة الثانية 1991م، ص 87.
(23) – أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم: كتاب الخراج، دار المعرفة ، بيروت/مؤسسة نشر منابع الثقافة الإسلاميّة، قم (إيران)، طبعة 1399هـ/1979م، ص10.
(24) – عن/الورديّ، د. علي: منطق ابن خلدون، دار كوفان، لندن، الطبعة الثانية 1994م، ص 92.
(25) – الفخري في الآداب السلطانيّة و الدول الإسلاميّة، ص 17.
(26) – الكواكبي، عبد الرحمن: طبائع الاستبداد، ص 51.
|
|
|
| |
|
|  |
|