الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا 

 

أبواب المجلة

المكتبة الإلكترونية

حول مجلة أفق

اختيارات عشوائية

المتواجدون الآن

يتصفح أفق حاليا:
53 ضيف/ ضيوف
0 عضو/ أعضاء

أكثر تواجد : 617
بتاريخ: 14-07-2007
الساعة: 04:12:59

البحث



إحصائيات

تم استعراض
7359808
صفحة منذ أكتوبر 2004

قصائد هايكو ... شعر وتقديم : محمد الأسعد

أمواجأفق : الثلاثاء 01 يوليو 2003


هناك من يمضي وحيدا في الضباب

قصائد هايكو ...

هذه قصائد بحاجة إلى مدخل ، ليس لأنها غامضة ، بل لأن وضوحها الشديد يجعلها كذلك لسببين : الأول ، أنها لا تعلق لها بأنماط الشعر العربي ، التقليدي منها والمحدث ، الموزون والمنثور . والثاني لأنها تحمل رؤيا مختلفة إلى العالم غير ملموسة في الثقافة العربية .

سبب الأختلاف منبعها الشرقي لا الغربي . والذين اعتادوا على المنبع العربي التقليدي أو المنبع الغربي التقليدي الذي طبع بطوابعه الشعر العربي الحديث ، سيجدون في هذه القصائد ما لا يفهمون . فهي تتجنب الأساسيات العزيزة للجمال الشعري المألوف : التشبيه والمجاز وتجريد الملموس وتجسيد المجرد ، وتتمسك بتسمية الموضوع (موضوع الخبرة) مباشرة . وهي تتجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء . فالإنسان ليس مركزا بل هو خيط في شبكة كلية ، وكذلك بقية الموجودات من تراب ونبات وحيوان ونجوم وسديم .

يتأتي هذا التجنب من حاجة الفنان ، والشاعر فنان ، إلى الإدراك في حدوده القصوى ، وإلى أن يجسد تجربته الفريدة هذه في شكل ملموس ؛ التجربة وحدها . لا شيء يشبه شيئا في لحظة ادراك قصوى .

يمكن القول ان الأسلوب هو تشذيب الأداة إلى أدنى حد ممكن بحيث لايقف إلا الأقل من الكلمات والشروح بين القارئ والتجربة . والنتيجة هي قصيدة عارية لا يتدخل فيها شيء بين الشاعر وموضوعه . المجاز تدخل والتشبيه احتيال . الغاية هي التجسيد بحيث يظهر موضوع الخبرة بذاته الفذة من دون حاجة إلى إشارة إلى شيء آخر غير ذاته . وحيث يستعصي التعبير أمام الخبرة التي لاسابق لها ، وهو عصي بالطبيعة في مثل هذا الموقف الصوفي (ذروة الموقف الفني من الوجود) ، يلجأ النظامون إلى المجاز والتشبيه وكل القوالب المتداولة .

هذا النمط الشعري تعرفه الثقافة اليابانية تحت عنوان " قصيدة الهايكو " ، وله في تلك الثقافة شروطه وانتصاراته وهزائمه ، وله امتداد لا يعرفه الكثيرون عندنا في اللغات الأسبانية والهنغارية والإنجليزية والألمانية ولغات أخرى . ولكن ما هو مأخوذ هنا في هذه المجموعة هو جوهر فكرة الهايكو : اللحظة الجمالية ، أي لحظة الاستنارة التي تأتي بعد الأضطراب والتمزق وانقسام الوجود إلى ذات وموضوع (بدهيات الفكر اليوناني الذي يلقي ظله منذ أكثر من ألف عام على الفكر الإنساني) . اللحظة التي يشرق فيها نور اكتشاف الإنسان لكينونته العميقة في هذا الكون .

الهايكو اليابانية شكل من أشكال هذه اللحظة الجمالية . شكل دال على فلسفة رؤيا معينة يندرج في سبعة عشر مقطعا تتوزع على ثلاثة سطور : خمسة مقاطع ، سبعة مقاطع ، خمسة مقاطع . ومدة ترتيلها لا تتجاوز مدّة النفس الواحد . ولكن لاضرورة تتطلب ابتكار نمط مواز لهذا الشكل الياباني في العربية . فوحدة الوزن العربية هي التفعيلة لا المقطع . كما أن إعطاء اللحظة الجمالية طابعا مميزا يعاكس تنميط الأشكال وينسجم مع جعل الشكل مفتوحا ، مع الحفاظ على شكل أقصر يجسد لحظة الحدس المباشر .

هنا في هذه القصائد يمكن الأحساس بنوعين من الايقاع : الايقاع الخارجي المعتاد في الشعر العربي (المتحرك والساكن) ، والايقاع الداخلي المعتمد على تدفق الصور ، والذي يتبع نظام الجملة الموسيقية الحرة . في الايقاع الخارجي ابتعاد عن نمط شعر التفعيلة ، ومزج تفاعيل من بحور مختلفة في الهايكو الواحدة . قد يبدا السطر ، وليس البيت ، بتفعيلة الرجز ، تتلوها تفعيلة الرمل ، ثم يبدأ سطر بتفعيلة الخبب ... وهكذا . المعيار هنا هو الإحساس بالتدفق الداخلي . مثلا قد تبدأ القصيدة بايقاع بطيء تقوده تفعيلة الكامل ، وقد تنتهي بتفعيلة الخبب للإيحاء بالتسارع .

صحيح أن المزج كان أسلوبا اتبعه بعض النظامين في الثلاثينات ، إلا أنه كان مزجا محكوما بالموت لأنه اعتمد مزج البحور لا التفاعيل ولا دقائق الأوتاد والأسباب . فكان مزجا خارجيا بين قوالب لا مزجا داخليا بين عناصر . مزج العناصر هو كيمياء اللغة لا مزج القوالب . وهذا هو ما يميز القصيدة القصيرة الحرة هنا حين تعتمد مزج العناصر . إنه أكثر جدة ، فهو يخرج على نظام الشطرين ونظام التفعيلة المكرورة رغم عللها وزحافاتها .

هناك أمر آخر تلتفت إليه الهايكو هنا ، وهو إعطاء أهمية لجرس الألفاظ وحركات الإعراب والميزان الصرفي ، فلكل هذه الجوانب دلالات شعورية في لغتنا العربية ، ويمكن أن نجد اعتناءً بها في الموروث البلاغي أهملته قطعان النقاد والشعراء المحدثين رعونة أو جهلا ، وتمسكت به ذائقة البسطاء من الناس . وربما يفسر هذا الأهمال الحنين الذي لاينضب إلى الشعر التقليدي في أوساط عامة الناس : إنهم يفتقدون في الشعر الحديث ليس المألوف فقط بل وما هو جوهري في اللغة بوصفها فنا ممتعا لا مجرد كلمات ومعان في سطور .

المنبع الثاني لهذه القصائد يأتي من مفاهيم المدرسة الألسنية في النقد المعاصر وتنوعاتها ، وبخاصة في تشديدها على العلاقة الاعتباطية بين الكلمة والموضوع ، والتمييز بين اللسان والكلام أي بين قواعد اللغة وبين اللغة في الأداء . ويأتي أيضا من فكرة ما بعد - حداثية ، إن الفكر ليس مرآة الطبيعة (ريتشارد رورتي) . ما يعنيه كل هذا أن العلاقة ملتبسة وغامضة جوهرا لا عرضا ، وأن الوجود الحق أو الكينونة العميقة بتعبير "هيدغر" منطقة بين الحضور والغياب ، ما بين الخيط الأسود والأبيض . هي الوجود عاريا من الأسماء كما تنظر إليه عين طفل أو فنان في ليل الوجود قبل أن تتخذ الأشياء أسماء . لا حد للرؤيا ولا صيغة نهائية ، بل ابتكار متواصل للحضور ، لا تفسير ولا تحليل في الفن ، بل إشارة إلى ما ينبثق انبثاقا ، وحيث للصمت ثقل الكلام ذاته.

يسمون هذا المابين أحيانا فراغا أو خواء حيا أو فضاء أو صمتا بليغا مأهولا بالمعنى ولا معنى ومأهولا بالصوت ولا صوت ، كأن الشاعر رسام الفراغ ذاته ، أو صانع فخار علينا أن ندرك أن آنيته التي يصنع هي الفراغ بين جدرانها . الكلمات ليست كل شيء في القصيدة : هي كتلة الطين وما تحتويه من فراغ هو القصيدة .

وأخيرا ، يأتي منبع هذه القصائد الثالث من اللغة البصرية ، لغة العين واللمس والسماع أو الحواس كلها ، لغة الحضور لا كما انعكس في لغة الذاهبين والحاضرين بل وكما سينعكس في لغة القادمين : لغة مفتوحة بلا يقين . يأتي الشاعر الوجود مواربة بلا يقينيات (اليقين هو اللحظة التي يتحجر فيها كل شيء) ويحوله إلى احتمال وجود ، أي أغنية . ومن الأفضل أن لا يستعير السؤال الأبله عما تعنيه الأغنية ، لأنها تحضر بكل بساطة مثلما يحضر طيران الطير والموج ويمر النسيم (ويتمان).

هذا هو الموقف الذي يسمونه الأستـنارة . ليس الحكمة بالطبع ، بل جذرها الحي حين يندمج المشاهد بموضوع المشاهدة بلا غاية سوى الاندماج ذاته . لا تعليق هنا ولا تفسير حين يثيرنا الجميل ، إننا نرسمه فقط . هل يمكن صب طوفان من المشاعر في مساحة بوصة على الورق ؟ هل يمكن أسر السماء والأرض في قفص الشكل؟ كان هذا سؤال الصيني "لوتشي" ومازال سؤال الشاعر .

مندلينة

شجرة مندلينة
طافحة فوق أوراقها الخضراء
أزهارها الثلجية



حبيبتي

حبيبتي
تفاحة
في نداوة الصباح



ليل

هل كان السوسن ؟
هل كان النرجس ؟
هل كان ليل عينيك ؟



صباح

صباح
وكمثرى
كم مر سريعا هذا الليل !



فينيسيا

من النوافذ المضيئة
آخر العتمة
تأتي ضجة أقداح النبيذ



صوفيا

يا لهذا الليل !
يأتي هادئا
نحو أوراق الخريف



ذكرى

غيم صباح خفيف
ربما تتناثر الآن
أزهار الرّمان



بحر

تحت طوفان النجوم
يهدأ البحر
عميقا..عميقا



بتولا

خفيفة أوراق البتولا
تتساقط بيضاء
في النبع المعتم



سحابة

غيوم بيضاء
تمر عاليا
فوق أشجار التفاح



خريف

ذات خريف
بين الأشجار
أسمع ضحكات الأطفال



قيثار

أكان ذاك
رنين قيثار
وراء الليل والأشجار؟



حارسة الليل

صاغية في ضباب الفجر
حين يستيقظ لغط الناس
وسكون الأمكنة



حديث

أمكنة مضاءة
أمكنة في العتمة
ربما ظلت تواصل الحديث



ظنون

ما ظننته حفيف ثوبها
وراء الباب
كان خفقان قلبي



ذات يوم

ليل
وعطر حديقة
ونغمة ماندولين



عصافير

في الظلال تتصايح
حول النافورة
أسراب الدوري



دفلى

وحيدة
هذه الدفلى في باحة البيت
يتساقط المطر



سدرة

وحدها في الظهيرة
سدرة البيت
تلقي الظلال في الباحة الخالية



امرأة وقدح

قدح أزرق
وجه حجري
عينان مسبلتان



حديقتها

يمنحني الليل شذى
حديقتها
وكل ليل



أندلسيا

شقائق النعمان
تتغلغل لاهبة
في الخضرة الداكنة



كاميليا

مطر.. شّباك
تحت الإفريز المعتم
كاميليا مرتعشة



شفاه

أوائل الفجر
شفاه عذبة
تواصل الحديث



نساء رينوار

ضباب أزهار الكرز
رفيف المياه
ولمسة نور في بياض الحجر



كنيسة سان بيترو

من الشرفة العالية
مائة قديس من الحجر
يتأملون النافورة الصامتة



حديقة

أشجارها
ظلال
في مرآة



عتمة

الليل نفسه
والندى والحديث ..
يا للعتمة الفاحمة !



وداع

خطواتـنا
غمغمة
على أوتار قيثار بعيد



مطر

ما الذي
يبكيك
أيها المطر ؟



بلبل

بلبل عابث
أغنية تغرق
في حجر الليل



الأرجوان

أرجوان
وندى
في هدأة الصباح



شجيرة

شجيرة رمّان
ظل أخضر
زهرة أو زهرتان



نوار

تحت رذاذ خفيف
يلتمع النوار
في هذه البرية الشاسعة



اثنان

تمتزج الكلمات برنات الأقداح
بلمس الأيدي
تتموج في عمق الليل



بوكنفيليا

مساءً في حديقتها
تهمس البوكنفيليا
مثقلة بأزهارها الحمراء



أزرق

أحبت زرقة الياقوت
كم كان وحيدا
هذا الليلك !



في الضباب

ترتطم الأقدام بالحصى
هناك من يمضي وحيدا
في الضباب



دفلى

تحت نافذتي
مع هبوب الريح
تتمايل أشجار الدفلى



البط البري

في الطريق إلى التل
شاهدنا
أسراب البط البيضاء



جاردينيا

أتساءل
في أي حدائق مهجورة
تتساقط الآن أزهار الجاردينيا ؟



ماغنوليا

آه .. في الظل
تحت نافذتي
كانت تتفتح أزهار الماغنوليا !



حين أراك

أتساءل حين أراك ؛
ألا تزهر أشجار البرقوق
في مطر الربيع ؟



من شرفتي

تحاول ايقاظ العتمة
بين أغصان الصفصاف
عصافير بيضاء



أسماء

من يسأل
الوردة
عن أسمائها ؟



كلمات

أحيانا
تتركني مع كلمات
ينحتها الصمت



كستناء

نحيب طويل
واحدة بعد أخرى
أوراق الكستناء



سيتار

في الليالي الموحشة
أسمع السيتار
وأفكر بالمشنوقين على الأشجار

* محمد الأسعد : شاعر وروائي فلسطيني يعيش في الكويت
 


 

روابط ذات صلة

خيارات

 

الرئيسية    ·   أبواب المجلة    ·   الأرشيف   ·   آفاق أخرى    ·    دفتر الزوار     ·    اتصل بنا