المسعود: أبحث في خطوطي وألواني عن تأملات الطفولة
التاريخ: الثلاثاء 01 أكتوبر 2002
الموضوع: حوارات


الفن الحقيقي هو ما يثير الإحساسات ، وما يطرح تساؤلات حول الحياة والموت

حسن المسعود: أبحث في خطوطي وألواني عن تأملات الطفولة

حاوره : محمد جابر النبهان

" لا يبقى على الفنان إلا أن يتنحى أمام الكتابة تزحف من اليمين إلى اليسار على جباه النوافذ ، على تواريق العماد ، حيث يخط القلم على البياض حرفاً فاحماً أسوداً شبيهاً بكوكبة فرسان في عباب الصحراء ، وثاب الرشاقة كسيوف مسلولة ، كل حرف حط قدم في الرمال كأنه انفلات فهد جسور ، أو كأنه اندياح جناح أسود فجأة فوق الغبار " .


بكلمات " أراغون " هذه افتتح الخطاط والفنان التشكيلي العراقي حسن المسعود كراسة الخط العربي الصادر في باريس عام 1981 والمتضمن دراساته حول تقنيات الخط العربي ، جمالياته وحضوره الإجتماعي ، إلا أن المسعود ابتكر طريقته الخاصة في التعبير الفني من خلال إدخال اللون في الخط العربي ومزجهما بتقنية جديدة تفرّد بها . فلمسة الفرشاة عنده فيما تتركه على سطح اللوحة تضيف للمتلقي أفقا آخر من خلال توزيع النصوص ( أقوال مأثورة – حكم – أبيات شعرية ) وبعدا زمنيا من خلال امتلاء الفرشاة أو جفافها برحيلها من نقطة إلى أخرى على سطح اللوحة أو من حرف إلى آخر بريشة عريضة تحتل معظم مساحة اللوحة وتستحوذ على كامل انتباه المشاهد حيث تصنع منها تكوينات وهياكل ، أو أنصاف هياكل وصور مبهمة – كما يقول – بألوان زاهية براقة صاعدة فوق ألوان أخرى تقبع باستقامة أسفل التكوين المهيمن على اللوحة تاركة وراءها أفقاً أبيضاً ممتداً كمشهد صحراوي مطلق .



حسن المسعود خطاط على درجة كبيرة من المهارة الفنية والتحكم والدِّراية بأصول الخط العربي ، إلا أنه كان يحمل في داخله منذ البدايات " دعوة غامضة إلى تعبير فني آخر " يدفعه دائما إلى أفق الصوره واللون . حول هذه التجربة المميزة والرحلة من الخط العربي الرصين كانفلات الفهد الجسور و الرشيق كسيف مسلول إلى اللون وخطوط صاعدة عالياً كشجرة أو كتمثال تاركة وراءها أفقاً لامتناهى ، إلى تجارب أخرى يتداخل بها الخط باللون ، بالشعر ، بالموسيقى التقينا الخطاط الفنان حسن المسعود في لقاء خاص لـ " أفق " فكان هذا الحوار :



* من الطفولة في النجف ، المدينة المأخوذة بالشعر والخط والتاريخ ، كيف ساهمت البيئة هناك باستنطاق الفنان في داخلك ومحاكاة ذلك على أفق اللوحة ؟

مدينة النجف في الخمسينيات كانت متحفاً حياً ومسرحاً متواصلاً ، حيث المعالم القديمة مغطاة بالسيراميك المخطوط المزخرف ، والأعياد والتعازي تحضَّر فنياً بأماكن مزينة ومنظمة . كما أن العشرات من المهنيين ينتجون حاجيات فنية أمام الجمهور في الأسواق ذات الظلال الرطبة . وكل المدينة بشوارعها الضيقة ومعالمها الضخمة وضعت على هضبة كبيرة محاطة بالهواء الطلق والضوء الساطع ، حيث الأفق الصحراوي يسحب العيون إلى اللانهاية .

أبحث في خطوطي وألواني عن تأملات الطفولة ، آملاً إيجاد تلك الصور البطيئة الوديعة لأمزجها بصور عصرنا الحالي السريعة والقلقة .



الشعر والخط

* قلت مرة : " عندما لا أجد الإيحاءات للخط أقرأ الشعر " علاوة على بداياتك الشعرية . هل اللوحة عند حسن المسعود تعويض للقصيدة باعتبارها نصاً لونياً مفتوحاً ؟

التعبيرات الفنية كلها تنحدر من منبع واحد ، وتتضامن الواحدة مع الأخرى في حالات الضيق والحاجة ، فالكثير من الشعراء يبدعون صوراً كبيرة ببضعة كلمات ، ونفس هذه الكلمات هي المادة التعبيرية للخطاطين . أما الأعمال الموسيقية فإنها تعكس أجواء قولها بالكلمات ، كذلك المادة اللونية والحركات في الفن التشكيلي . لكن كل هذه التعبيرات يمكن أن تجعلنا نشعر بإحساسات الفرح والمأساة .

إذا كان الشعر والخط يستخدمان الكلمات فهما كشجرتين يعطيان فاكهة مختلفة ، ولا يمكن أن نعوض إحداهما بالأخرى . بينما يمكن أن نمزج الفواكه المختلفة فيما بينها .



* أصدرت في باريس 1981 كراس الخط العربي متضمناً دراسة حول تاريخ الخط العربي وأدواته وقواعده ونماذج من خطوطه ، لكنك اشتهرت بأعمال ميزت تجربتك عن بقية الخطاطين التقليديين في توليفك بين الخط والتشكيل . رحلة اللون والصورة في أعمالك كيف بدأت وما الهاجس الذي أنبتها في داخلك ؟

تجربة عملي كخطاط في بغداد مابين 1961 و 1969 ثم دراستي في المدرسة العليا للفنون الجميلة بباريس مابين عامي 1969 و 1975 ، وأخيراً العمل عبر الخط بمجال المسرح أمام الجمهور ( بالخط على جهاز يعكس الخطوط رأساً على شاشة كالسينما ) . كل هذه التجارب جعلت من خطوطي الباريسية لا تشابه خطوطي الأولى في العراق .

المعاناة والفرح ، صعوبة الاغتراب – خصوصا في البداية – ثم التمازج مع المجتمع الأوروبي ، وربما الصدف باختيار طريق وليس آخر !. حوالي الأربعين سنة من العمل المتواصل والبحث في مجال الخط ، كل هذا فتح طرق جديدة ..

كتاب " الخط العربي " الذي ذكرته في سؤالك ، إنما هو إحدى نتائج هذا البحث ، فإنه يلخص تساؤلاتي في الثمانينات حول الخط ومستقبله ؛ ثلاث محاور : التقنية – الجماليات – الحضور الإجتماعي .



الخط ابن الصورة

* في عملك على اللوحة الخطية التشكيلية هل ثمة قاعدة للخط أم هي مفتوحة للإبتكار بأنواع خطية جديدة ، وكيف يتم ذلك على ضوء القاعدة الأساسية ؟ وهل ثمة هاجس يراودك في ابتكار خطوط جديدة ؟



الفكرة منذ البداية هي ابتكار خطوط جديدة عبر تجربة عملي في الخط العربي التقليدي ، والدراسات الفنية فيما بعد .

أبحث عن خطوط جديدة آتية من الخط القديم ولكن لا تشابهه ، تماما كالعلاقة بين الخط الكوفي القديم أو ما نسميه بكوفي المصاحف . كوفي المصاحف يخط بقلم القصب بينما الكوفي الهندسي يعمل من الطابوق ويكون الحرف والفضاء المحيط به بخطوط مستقيمة ويتشابهان في السمك ، ولا تستعمل فيه القاعدة الأساسية للخط العربي ، ألا وهي الثخن والرفع في حركات الحروف والآتية من استدارة منقار قلم القصب على الورق .

خطوطي تعتمد على قاعدة قوية ، وهي ذاكرتي لكل ما شاهدته وما عملته من خطوط في السابق ، ولكني أحلم بالوصول إلى إنتاج خطوط لم ترى سابقاً . هل كان من الممكن ابتكار الكوفي الهندسي لولا كوفي المصاحف ؟ .. الآن ، وبعد قرون ، يبدو الكوفي الهندسي خطاً تراثياً . ولا نقاش في هذا .



* الفن التشكيلي إعتمد في أوائل السبعينات على اقتباس الحرف العربي باعتباره عنصراً من عناصر التاريخ والحضارة وكنوع من إدراك هوية عربية تراثية . هل استطاع التشكيل أن يضفي أبعاداً جديدة للحرف العربي أم أن المزاوجة أفقدت الحرف جلاله ورصانته وعمقه الروحي متداخلاً مع سراب الصورة ؟

لا أعتقد أنه يمكن الحكم على نتاج مجموعة فنانين بشكل عام ، إذ لابد من الوقوف بتأمل أمام كل لوحة وتحسسها ، فإن أثارت فينا مشاعر وخلقت حواراً داخلياً فيمكن أن نقول أن هذا العمل الفني يمثل عطاءً جديداً . مع الأسف ، وبسبب كوني أعيش في باريس قرابة 33 عاما ، لا أعرف كل التجارب في هذا المجال . ويصعب عليّ مقارنتها وتقدير أهميتها .



* في باريس أيضا كونت مع الممثل الفرنسي ﮔـي جاكه والموسيقي فوزي العائدي فرقة مسرحية تعتمد في عروضها على الشعر والموسيقى والخط العربي . ما هو المدى الذي أضافه وساعد فيه الخط العربي على نجاح العروض باعتباره مساهماً أساسياً مع الشعر والموسيقى في عمل حي ؟

لم يكن في البداية واضحاً في ذهني إمكانية إضافة شيء جديد آتٍ من الخط العربي داخل عمل مسرحي حي وأمام الجمهور ، ولكن استمرارية القيام بهذه الأعمال لفترة طويلة تقع مابين عام 1972 وعام 1985 جعلت للخط أن يجد مكانه بجانب الشعر وأخته الموسيقى .

كما أن الخط هو ابن الصورة ، إن كنا نحب البحث عن الأصل والفصل ، وإن وافقنا على هذه العلاقة الأبوية المنحدرة عن سومر ومصر القديمة قبل ستة آلاف سنة ، آنذاك يمكن قبول تجربتي الخطية في وضع هيئات صور متشابكة مع الحروف والكلمات . إنها ليست صوراً طبيعية ، إنما هياكل صور تفتقد إلى اللحم والشحم ، وما على المشاهد إلا تخيل شكل الصورة . وتزداد هذه الصور في الكتب التي زينتها بخطوط مقابل النصوص الأدبية .

في الخط توجد تيارات متعددة أكثرها نبلاً الخط الكلاسيكي كتجارب الأماسي في القرن السادس عشر ، وراقم في القرن التاسع عشر ، وهاشم في القرن العشرين على سبيل المثال ، ولكن هناك تجارب أخرى كثيرة وأكثرها لخطاطين مجهولين كما في المعمار الإسلامي وما تمتلئ به المتاحف من حاجيات نقشت عليها الخطوط ، كل هذه يجب أن تدخل أيضا في حساب فن الخط . إن الفن الحقيقي هو ما يثير الإحساسات ، وما يطرح تساؤلات حول الحياة والموت . إن مأساوية حروف كوفية مزدحمة على صخرة قبر يمكن أن تساهم في الحوار الفني أيضا ، فالثقل الفني التعبيري داخل خط عربي يعود إلى ما يجول في صدر الخطاط لحظة قيامه بعمل خطوطه ، فإن كان يفكر بالإنسان الفاني لحظة حفره الصخرة فإن هذه المشاعر ستدخل عمله بشكل أو بآخر ، وحتما سيقف المشاهد أمامها بخشوع .



* مرة نزل خطاطو اسطنبول للشارع في مظاهرة ضد استقدام المطبعة واضعين قصباتهم ومحابرهم في نعش ينعون به وفاة الخط . هل ساهمت التكنولوجيا الطباعية والثورة العلمية في الكمبيوتر وبرامج الخطوط وتحرير الصور بتعجيل وفاة الخط العربي كما توقع خطاطو اسطنبول التي كانت عاصمة الخط آنذاك ؟

أعتقد أن الكمبيوتر هو آلة يمكنها أن تأخذ وتعطي في آن واحد ، لذلك لا يجب معاداتها ، بل بالعكس كسبها لكي تعطينا أكثر فأكثر من إمكانياتها الجديدة ، ولكي تساهم في وضع الحلول لمشاكل التخلف الثقافي .

بل أقول لك أنني متفائل ، إذ أرى أن الكمبيوتر سيعيد للخطاط دوره الفني الذي فقده يوم أصبح الكثير من الخطاطين يعملون في مجالات الدعاية والإعلان ، كما كنت أنا شخصياً . إذ سيبحثون عن طرق أخرى للفن وللعيش ، فالخطاط العربي كان دائماً فناناً إما بحماية المسؤولين أو بممارسته مهنته الفنية كسائر المهن الفنية الأخرى .



* البياض الواسع خلف الشكل الرئيسي وتوزيع النص أسفل هذا التكوين المهيمن على اللوحة تكاد تكون فكرة أغلب لوحاتك ، هذا البياض الممتد لأفق مفتوح ، ماذا تريد أن تقول من خلاله ؟

لو كنت أدري ما أريده عبر الخطوط التي أعملها لكنت توقفت عن إنتاج الخطوط وتوقفت عن قضاء ساعات طوال منغلقاً في مرسمي أعيد وأعيد كل خط عشرات المرات آملا الوصول لما أراه في إحساساتي الداخلية . ولكن عندك الحق فيما تقوله .. فإن خطوطي تصعد عالياً كشجرة أو كتمثال فيبدو البياض خلفها كمشهد صحراوي مطلق .

هل إنه البحث اللامنتهي عن الأفق الذي كنت أتأمله في مدينة النجف الراقدة بثقل على هضبتها العليا كسفينة عملاقة وسط بحر من الرمال ؟

رغم أنني أريد أن أتجدد كل يوم ، فمرة عبر الألوان ، إذ أحضر أنا الألوان ، ومرة أخرى من الكلمات والعبارات التي أنتقيها عبر عصور مختلفة ومن تراث الإنسانية بأكمله . آملا أن لا تتقوقع خطوطي وتراوح بنفس الفضاء المعتاد .





أتى هذا النص من مجلة أفق الثقافية
http://www.ofouq.com

عنوان الرابط لهذا النص هو:
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=1356